من سري كانييه إلى دمشق.. نزوحٌ مُحمّلٌ بذكرياتٍ مؤلمة

نصف كُرد دمشق عادوا إليها بعد الهجوم التركي الأخير

غَلَبت الدموع على كلامها، وسارعت عيونها بالحديث، لم تستطع “هسرين” 40 عاماً أن تحبس قهرها؛ فأجهشت باكيةً وهي تروي قصة نزوحها للمرة الخامسة. فالسيدة وعائلتها كانوا يسكنون مدينة حلب قبل 2011، ومع دخول البلاد في حروبٍ مُستعرة وانقسام مدينتها إلى شطرين يخضع كل منها لجهةٍ عسكرية على نقيض، قررت العودة بداية 2013 إلى مسقط رأسها مدينة عفرين بريف حلب الشمالي.   

وبعيون حائرة وممتلئة بالدموع، تنفث دخان سجائرها الواحدة تلوى الأخرى، تقول: «هربنا من حلب بعد مقتل ابني الذي يبلغ خمسة عشر عاماً، بقصفٍ جوي بعد الاشتباكات التي اندلعت بين قوات النظام وفصائل المعارضة».  

كانت تلك، المرة الأول التي تنزح فيها العائلة، وعادوا إلى عفرين وبقوا فيها نحو خمس سنوات، غير أن نيران المعارك طالتها هذه المرة من تركيا وبمشاركة فصائل سورية معارضة، في عملية ما تسمى بـ «غصن الزيتون» مارس آذار 2018، وسيطرت عليها نهاية الشهر نفسه، الأمر الذي دفع بـ “هسرين” وعائلتها ونصف سكان المدينة النزوح مجدداً إما إلى مناطق الشهباء المجاورة أو إلى حلب.

«لم نبقى هناك كثيراً، فالمنطقة كانت محاصرة من جهاتها الأربع، ثم ذهبنا إلى منبج وأكملنا نحو مدينة سري كانييه»، تقول “هسرين” في حديثها لمجلة (شار) وهي تتذكر تلك الأيام والذكريات المؤلمة وكأنها حدثت معها قبل قليل، بعد أن تنقلت كثيراً وتحوّلت حياتهم إلى حمل أمتعة ونقلها من مكانٍ لآخر. 

وبوجهٍ مليء بالحزن والتجاعيد، تُضيف: «مكثنا في سري كانييه عاماً ونصف العام، وفي شهر تشرين الأول هربنا مجدداً إلى الحسكة، كنا ننام في العراء ونفترش الأرض ونلتحف السماء، حتى حصلنا على بطاقة طيران وسافرنا جواً إلى دمشق».

تسبّب الاحتلال التركي لمدينة سري كانييه، بعد عمليةٍ عسكرية شاركت فيها فصائلٌ تابعة للمعارضة السورية، بنزوح وفرار أبنائها إلى المدن المجاورة ضمن جغرافية روجافا، أو اللجوء إلى إقليم كردستان، لكن قلّة منهم نزحوا إلى العاصمة السورية دمشق، كـ هسرين، وجارتها سلمى 35 عاماً التي كانت تسكن دمشق قبل 2011 وقررت العودة إليها مرة ثانية بعد الهجوم التركي على مدينتها سري كانييه، وهي تعيش الآن مع زوجها وأطفالها الثلاثة في منزلٍ بأعلى قمة جبل قاسيون.

«مكثنا ليلتين على كراسي مطار قامشلي، وسط قسوة البرد والنوم على الأرض حتى حصلنا على بطاقات سفر عبر طائرة (اليوشن) العسكرية، كانت تشبه كل شيء إلا طائرة» تقول “سلمى” لـ (شار).

تعيش الأسرة اليوم في منزلٍ متواضع لا تتجاوز مساحته 35 متراً مؤلّفٍ من غرفة واحدة ومطبخٍ صغير بداخله حمام، مفروش بسجادٍ قديم وبعض الأغطية للنوم. وأدوات قليلة للطبخ قدمها لهم الجيران، بعد أن كانت تملك مطبخاً كبيراً وأدوات كهربائية في مدينتها، تنظر إلى الرفوف الفارغة لتضيف بحسرة: «ندفع أجرته 40 ألف ليرة، نعيش مع رائحة الرطوبة نظراً لغلاء أسعار الإيجارات وندرتها».

نصف كُرد دمشق عادوا إليها

لا وجود لأرقامٍ محددة وإحصاءات دقيقة عن أعداد الكُرد الذين وصلوا إلى دمشق منذ ربيع 2018. وتقدر مصادر أهلية بأن حوالي نصف السكان الذين كانوا قد سافروا إلى مدن وبلدات الحسكة السورية، رجعوا إليها مجدداً، واليوم هناك أحياء مثل ركن الدين، وادي المشاريع، شبعا والمزة يتواجد فيها نسبة كبيرة من كُرد عفرين والجزيرة، كانوا من سكانها قبل اندلاع الحرب منذ تسعِ سنوات.

«مدينتي الصغيرة تحوّلت إلى محط أنظار كل الجهات العسكرية المتحاربة، هربت من الحرب لأنها لا ترحم المدنيين، وكنا نخشى أن تطول فترة أطول، لذلك قدمنا إلى دمشق». يقول المدرس المتقاعد “عبد الصمد” من سكان بلدة تل تمر شمال شرقي سوريا، يسكن اليوم في حي وادي المشاريع وقد بدت عليه مشاعر الحيرة والقلق، بعد أن تحوّلت مدينته ومحيطها إلى مسرحٍ لتفاهماتٍ دولية.

وبعينين تبرقان دمعاً يحاول أن يخفيهما بابتسامةٍ صغيرة أثناء حديثه، يقلّب صور هاتفه الجوال الذي لم يفارقه، فمنزله والكثير من المنازل الأُخر تعرّضت للقصف التركي، أما ما سَلِمت من القصف، تعرّضت للسرقة والنهب على يد الفصائل السورية المعارضة المشاركة في عملية العدوان التركي.

«لم تعد لدي القدرة على التحمّل، إلى متى؟ نريد العودة إلى بيوتنا، أبنائي تشرّدوا، بناتي لجاؤوا إلى إقليم كردستان، وابني بقي في الحسكة ونحن هنا في دمشق، الحرب شتت شمل عائلتنا ولا نعلم متى تكون ساعة العودة ونجتمع جميعاً على مائدة الطعام» تقول “أمينة” زوجة المُدرّس المُتقاعد الجالسة بجواره وبدت عليها علامات التعب والإرهاق محدقةً في الأرض، إذ يغيب عن منزلهم مدفئة واشتروا عوضاً عنها سخانة كهربائية.

إغلاق