مُستقبل المُكوّنات وأدوارها في سوريا وشرق الفرات

تنقسم سوريا اليوم بين ثلاثِ مناطق نفوذ تقدّم كل واحدةٍ منها أنموذجاً في التعامل مع مكوناتها المختلفة، إذ إن حدود التوزّع العسكري الحالي لا تعبّر بشكلٍ دقيق عن خطوط توزّع الهويات المتعددة. 

تشمل سيطرة النظام السوري- ذو هيكلية الحكم العلوية وبإيديولوجيته القومية العربية- على مناطق شاسعة ذات غالبية عربية سُنيّة، وكتلة سكانية كردية كبيرة في مدنٍ رئيسة كدمشق وحلب، كما أن المعارضة السورية، ذات الانتماء السُنّي والإيديولوجية الإسلامية  العربية، تسيطر على معاقل رئيسة للكرد في عفرين والجزيرة والريف الشرقي لمدينة حلب الممتد من قباسين وحتى جرابلس، إضافةً إلى سيطرتها على مكونات دينية ومذهبية أخرى كالمسيحيين والعلويين والإيزيديين. 

من جانبها أيضاً تسيطر الإدارة الذاتية (المسماة “الكردية”) على مناطق ذات غالبية عربية كبيرة وكتل سكانية رئيسة للسريان والآشوريين.

ولكن فيما لو قيّض لمناطق النفوذ هذه أن تستقر على شكل دولٍ أو كياناتٍ فيدرالية بحدودها الحالية، ما النماذج التي ستقدمها السلطات المحلية في التعامل مع الأقليات لديها؟ ما المستقبل الذي ينتظر المكونات المتمايزة عن الهوية الرئيسة في كل واحدةٍ منها؟

لا يبدو أن مسألة فرض هوية قومية-لغوية على الدولة هو أمرٌ يمكن تفاديه، فهي الأنموذج العام للدول في العالم، سواء كان المفروض على الدولة هي هوية واحدة أو هويات متعددة، وسواء كان هذا الفرض بحكم القانون أم بحكم الواقع. 

فالهوية الفرنسية الواحدة تواجه بهويات لغوية/قومية أخرى كورسيكية أو ألزاسية أو بروتانية، كما أن رباعية الهوية في الدستور السويسري؛ لا يعفيها من المسائلة حول استبعاد هويات العرب والأتراك المجنّسين منها. 

ورغم النجاح منقطع النظير للأنموذج الأميركي في هذا المجال، والذي يخلو دستورها من أية إشارة هوياتية في استخدام واضح للدولة كجهاز محض مفرغ من كل الهويات، إلا أنها تفرض بحكم الواقع هوية لغوية (هي الإنكليزية) على السكان الهسبان والألمان والفرنسيين والطليان… الخ.

إلا أنه لا يصح قياس النماذج السائدة في فرض الهوية في الشرق الأوسط على النماذج المقدمة في الأمثلة السابقة، لا من حيث نتائجها ولا من حيث أسس تعاملها مع الأقليات. 

ففي مناطق سيطرة المعارضة والنظام السوريين، يجري فرض هويات قومية ودينية لا يمكن تبنّيها إلا بالولادة، وتعمل فقط بالضد من الآخرين، سواءً بإعمالِ القتل والإبادة الفيزيائية فيهم، أو بإبادتهم معنوياً كما في بعض الحالات التي تتيح نظرياً لأتباع الأقليات الأخرى تبنّي هويتها بغير الولادة، كعروبة حزب البعث، وإسلام المتشدّدين، إلا أنها تتطلّب منهم في الوقت عينه الانتماء الكامل والحصري لها، والمترافق مع التنكّر والإنكار التامين لهوياتهم السابقة، والتي تصل إلى النتيجة ذاتها: إزالة تلك الأقليات من الوجود.

تفيض سوريا، الدولة شديدة العنف والفقر، والمصطنعة بالحظ المحض ودون أي جهد، بكل ما يساهم في خلق المشاكل بين مكوناتها، ورغم أن الحرب السورية، بقباحتها، أتاحت فرصةً للوصول إلى قبولٍ مشترك وتاريخي فيما بينها لتشكيل الشعب السوري، إلا أنه من المتأخّر جداً الآن التفكير في الاستفادة من تلك الفرصة. 

فالتِركة الثقيلة للعنف المنفلت من عقاله خلال الحرب، تجعل تحويل الوطن السوري إلى مشتركٍ بين مكوناته فكرةً مرعبة لها، أكثر بكثير من مخاطر وقوعها تحت سيطرة دولٍ أخرى، وهو ما يعززه غياب أفقٍ بتحقيق العدالة لضحايا المجازر والإبادة والتطهير العرقي والديمغرافي فيما بين النظام والمعارضة الإسلامية، وما بين المعارضة الإسلامية والكرد، كما يعزّزه أيضاً استمرار التعصّب الهوياتي الحاد الذي لم تعالجه سنوات الحرب الطويلة سواء في معسكر المعارضة الإسلامي- القومي أو في معسكر النظام القومي. 

وما يزيد من كارثية الأمر، هو عدم اقتصار تلك الانتهاكات على الأطراف العسكرية والسياسية المسيطرة على الأرض فحسب؛ إنما ظهر في مراحل مختلفة من الحرب السورية تورّط قطاعات أهلية في الانتهاكات تجاه أهالي المناطق الأخرى، أهمها عمليات التغيير الديمغرافي، كتلك التي أجراها النظام السوري لأحياءٍ سُنيّة في حمص، وكالتي أجرتها تركيا ضد الكرد في عفرين، وما زالت تجريها على قدم وساق في سري كانييه، وهو (أي التغيير الديمغرافي) انتهاكٌ يقوم على استخدام القوة العسكرية لتهجير السكان الأصليين، واستخدام كتلة من الأهالي لملءِ الفراغ الحاصل وإقامة مجتمع جديد.

تورّطُ القِوى العسكرية وبعض الكتل السكانية في هذا النوع من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية، جعل من الانتماء لسوريا اليوم، يعني قبول مكوناتها إبادة هويتها والعودة إلى أقسى أشكال العبودية، وهو ما لا يتم طواعيةً في العادة.

مقابل مناطق المعارضة والنظام في سوريا، تبدو منطقة شرق الفرات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية بعيدةً عن تأثيرات العنف المشابهة في مناطق سيطرة النظام والمعارضة، فرغم خوضها الكثير من المعارك ضد ميليشيات المعارضة الإسلامية وداعش، لم ترتكب القوات الديمقراطية، وقبلها وحدات حماية الشعب، أيّ انتهاكاتٍ منهجية ضد سكان المناطق المنكوبة، كما تبدو الحكومة المحلية في تلك المناطق رافضةً بشكلٍ كامل التعصّب الديني والمذهبي، وأقل تبنّياً بكثير للتعصب القومي، ليس فقط مقارنةً بالأطراف المتصارعة في سوريا، إنما مقارنةً بجميع دول الشرق الأوسط من لبنان إلى إيران، ومن تركيا إلى الخليج العربي واليمن. 

لذا، ومع ما يوفّره النفط والغاز من إمكانياتٍ اقتصادية كبيرة نسبياً، يمكن القول إن السلطة في شرق الفرات، تساهم في خلقِ الظروف المواتية للتعايش بين مكوناتها، ولكنها تُفوّت التأسيس للعامل التاريخي: التوافق الصريح بين تلك المكوّنات على التعايش فيما بينها.

تملك الإدارة الذاتية في متناولها فرصةً لا تُعوّض لتأسيس تعايشٍ بين مكوناتها دون الحاجة إلى خوضِ حروبٍ جديدة، فالدماء التي أُريقت في سوريا كافية لتصل كافة الأطراف، إن كانت تريد ذلك، إلى قناعةٍ بحتمية هذا التعايش والقبول المتبادَل، ولكنها تحتاج أن يكون هذا القرار نابعاً عن خيارها الخاص، والذي لا يمكن التعبير عنه بوضوحٍ أكثر من وسائل التعبير الديمقراطية، وعلى رأسها الاستفتاء والانتخابات.

إغلاق