نازحو سري كانييه.. بين قسوة النّزوح والخوف من العودة

يجلس “أيوب أيانة” النازح مؤخراً من مدينة سري كانييه بجانب قبر والدته في مقبرة بلدة “كفر بطنا” في ريف دمشق، والحزن بادٍ على ملامح وجهه لأنه لم يستطع تحقيق وصية والدته الأخيرة بدفن جثمانها إلى جانب قبر والده في مقبرة سري كانييه.

الأسى الذي عانته المسنة “مفيدة رمضان” والدة “أيانة” خلال رحلة النزوح، وقهرها على فراق منزلها ومدينتها سري كانييه، أدى إلى تدهور حالتها الصحية، قبل أن تودّع الحياة في الخامس من نوفمبر تشرين الثاني الماضي، أي بعد أقل من شهر على نزوحها برفقة عائلة ابنها وحفيدها من سري كانييه، عَقِب الحملة العسكرية التركية على شمال شرقي سوريا.

أسفر الهجوم العسكري الذي شنته تركيا وفصائل المعارضة السورية التي تدعمها “أنقرة”، عن السيطرة على شريطٍ حدودي بطول (120) كيلو متراً بين سري كانييه وكري سبي، بعد معارك عنيفة ضد قوات سوريا الديمقراطية، التي أعلنت انسحابها في العشرين من شهر اكتوبر  تشرين الأول الماضي، بموجب اتفاقٍ بين أنقرة وواشنطن تم الإعلان عنه في السابع عشر من الشهر ذاته، يقضي بتعليق العمليات العسكرية التركية في شمالي سوريا، وانسحاب “قسد” إلى عمق (32) كيلو متراً.

«كان نزوحاً مفاجئاً وشاقاً» يصف النازح “أيوب أيانة” /55/ عاماً، ويُضيف خلال حديثه لمجلة (شار): «بحدود الساعة الرابعة مساءً من ذاك اليوم، فوجِئنا بتعرض المدينة لغارةٍ جوية، تلاها قصفٌ مدفعي عنيف استهدف أطرافها، سارع كل شخص للنجاة بنفسه وعائلته، لم يكن هناك وقت للتفكير، انضممت برفقة والدتي وعائلتي وعائلة ابني إلى قوافل الفارين، واستقر بنا المطاف في مدينة الحسكة، دون أن نأخذ معنا شيئاً، تاركين كل ما نملكه خلفنا».

بعد ثلاثة أيام على نزوحها إلى الحسكة، قررت عائلة “أيانة” الانتقال للعيش في دمشق، لكن الطريق إلى العاصمة السورية كان أصعب مما توقّعه أفرادها، بعد أن اضطرّت والدته المُسنّة وابنه وزوجة ابنه وحفيده الرضيع للعودة أدراجهم من منتصف الطريق، بسبب عدم حيازتهم على أوراق ثبوتية.

يقول “أيوب أيانة” الذي غزا الشيب شعره: «نَسيت والدتي المُسنّة بطاقتها الشخصية في المنزل، وكذلك عائلة ابني، لذا لم يسمح لهم حاجز القوات الحكومية السورية بالقرب من مدينة “الطبقة” بالمرور، رغم محاولتنا إقناع عناصر الحاجز، الذين تعاملوا معنا بفظاظة، لذا اضطرّت والدتي وابني وزوجته وحفيدي الرضيع للعودة إلى مدينة الحسكة خائبين، وبقوا هناك ثلاثة أيام، قبل أن يحصلوا على أوراقٍ ثبوتية من الدوائر الحكومية، ثم لحقوا بنا، بعد أن عانوا الأمّرّين، وبخاصة والدتي، إذ لم تكن تقوى على الوقوف والمشي».

لم تنتهِ مآسي “أيوب أيانة” بنزوحه والتفكير بمأوى ولقمة عيش عائلته، فقد سمع من جيرانه ممن عادوا إلى سري كانييه، أن مسلحي فصائل المعارضة السورية، استولوا على منزله ومنزل ابنه في حي “روناهي” وسط المدينة، بعد سرقة محتوياتهما، وكذلك مكتبته، كما عمدوا إلى تفجير إحدى سيارتيه اللتين تركهما خلفه في المدينة.

يتأمل بحزنٍ في شاشة هاتفه الجوال التي تُظهر صوراً لسيارته التي فجّرها مسلحو المعارضة، ويقول: «أبلغني الجيران أن المسلحين حاولوا تشغيل السيارة (ميتسوبيشي) بهدف سرقتها، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، لأن المحرك كان معطوباً، لذلك زرعوا لغماً بداخلها وفجروها، بعد أن علموا بأنها عائدة لي، كما استولوا على منزلي ومنزل ابني بعد سرقة كل ما غلى ثمنه من محتوياتهما، وكذلك مكتب شركة “هفال” للنقل الذي كنت أديره ضمن كراج المدينة، وذلك بحجة أنني وابني كنا نعمل سابقاً في كومين الحي التابع للإدارة الذاتية، ولا أعلم حتى الآن  مصير سيارتي الأخرى من نوع (سوزوكي)».

فضلاً عما سبق، تلقّى “أيوب أيانة” في الفترة الأخيرة تهديداً من تلك  الفصائل، باعتقاله وابنه في حال فكّر أياً منهما بالعودة إلى المدينة مجدداً، ما زاد من مآسي عائلته، التي يسردها لمجلة (شار):

«طلبوا من الجيران أن يُبلّغونا بعدم العود مجدداً، متوعّدين باعتقالنا إن فكرنا بذلك، وأن كل ما نملكه صار ملكاً لهم. محزنٌ ألا تستطيع العودة إلى منزلك، وأن يحتله غرباء ويطردوك منه».

واتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرٍ لها، فصائل «الجيش الوطني السوري» المدعومة من تركيا، بأنها «منعت عودة العائلات الكردية النازحة جرّاء العمليات العسكرية التركية، ونهبت ممتلكاتها واستولت عليها أو احتلتها بصورة غير قانونية».

وتلك الممارسات، بحسب “هيومن ووتش”، «أدلة دامغة على أن المناطق الآمنة المقترحة من تركيا، لن تكون آمنة خلافاً للرواية التركية بأن عمليتها ستنشئ منطقة آمنة، فإن الجماعات التي تستخدمها لإدارة المنطقة ترتكب انتهاكات ضد المدنيين وتُميز على أُسس عرقية».

يعيش “أيانة” الآن مع زوجته وعائلة ابنه المكوّنة من ثلاثة أفراد وابنته المتزوجة وولديها في منزلٍ متهالك استأجره بريف دمشق، وهو يسعى لتأمين قوت عائلته اليومي، بالإضافة إلى نفقات علاج زوجته المصابة بالسرطان، لكنه مازال محتفظاً بالأمل في العودة إلى دياره بعد أن تنتهي الحرب ويعم السلام، ولو بعد حين.

إغلاق