عفرين.. عشرون شهراً من التهجير  بين حلمٍ بالعودة وتشبّثٍ بالأرض

لم تكن تلك الاحتمالات واردة عندما انطلقت المظاهرات في سوريا ربيع 2011، عندما صَدَحَت حناجر السّوريين على اختلاف مشاربهم الدينية، العرقية والسياسية، للإصلاح ولسوريا جديدة، تجمع كل مكوناتها على أساس العدل، المساواة وحقوق الإنسان. 

لكن يبدو أن المثل الشعبي القائل (عدوّ جدِّك لا يودّك)، قد وجد لنفسه ما يبرّره في الحالة السورية مع تركيا التي تمكّنت من تحويل السوريين الذين كانوا يطمحون يوماً لوطنٍ يجمعهم إلى خصومٍ لا يمكن لهم أن يجلسوا على طاولةٍ مستديرة لحلِّ خلافاتهم. 

كما تمكّنت (أي الحالة السورية) من تحويل ثلّةٍ مارقة من المسلّحين المتوارين خلف شعارات الحرية، إلى قَتَلةٍ مأجورين تُنكّل بالسوريين، كما تمكّنت من أخذ شريحةٍ من المُغيّبين السوريين كرهائن للفكر الذي دأبت على نشره، والقائم أساساً على التطرّف الديني، المذهبي والعرقي، والذي حوّل المناطق الخاضعة لميليشيات أنقرة المسماة زوراً بـ «الجيش الوطني» إلى مواقع أُحادية اللون، الطعم والرائحة.

فلم يَعُدْ لها من لونٍ سوى اللون الإخواني، ولا طعم سوى طعم التطرّف، ولا رائحة سوى رائحة تهديد باقي المكوّنات السّوريّة، وخاصة الكُرد السّوريين، وأضحت معها مُهِمّة ميليشيات أنقرة مختصرةً في التنكيل بهم وتهجيرهم والاستيطان في منازلهم، لمنعهم من العودة، وإجبارهم على البحث عن وطنٍ بديل.

والحال كذلك، فقد تمكّنت تركيا من تجنيد المتطرفين السوريين لقتال الكُرد وشركائهم في قوات سوريا الديمقراطية، وأتت بعشرات آلاف العوائل من أرياف حمص، دمشق، حماه، دير الزور، إدلب وحلب، بغية استيطانهم في عفرين، مُتّخذةً ذريعة سوريتهم وحقّهم في التنقل لأيّة مدينةٍ سوريّة، مسوّغاً لعمليات التطهير العرقي والتهجير القسري التي حدثت بفعل الهجوم العسكري التركي الممتد من يناير إلى مارس 2018.

نقلت تركيا المُتطرّفين السوريين والعائلات غير الراغبة بالتسوية مع النظام من أرياف المناطق المذكورة سلفاً، للاستيطان في عفرين، ويبدو أن الأتراك قد قدّموا مغرياتٍ كثيرة لتلك العائلات بغية الخروج من أرضهم، كتقديم وعودٍ بتأمين منازل إلى جانب مئات أشجار الزيتون لكل عائلةٍ تصل إلى هناك، وكان واضحاً التنسيق الروسي التركي في هذا الموضوع، إذ زار رئيس النظام السوري بشار الأسد مناطق الغوطة في ذات اليوم الذي سقطت فيه عفرين في الثامن عشر من آذار مارس 2018.

مغرياتٌ تركية كثيرة تمثّلت في منازلٍ وأرزاقٍ وأملاك، برّرها المتطرّفون على أنها غنائم المسلمين من “الكفرة”، والمسلمون هنا غزاةٌ جلبوا ذويهم للاستيلاء على أملاكِ مكوّنٍ آخر، ذنبه أنه طالب بما طالبوا به هؤلاء لأنفسهم، من عيشٍ كريم، ومساواةٍ في الحقوق والواجبات.

لكن يبدو أن هؤلاء المتطرّفين لا يريدون الحقوق إلا لأنفسهم، ولا يريدون الواجبات إلا على الآخرين، فحلّلوها لأنفسهم وحرّموها على غيرهم، بحجّة أنّهم «ملاحدة ومرتدون» وهي هنا في منظورهم “الكُرد”، الذين استقبلوا على مدار سنوات الحرب السورية في مختلف مناطقهم مئات آلاف المُهجّرين، مانحين إياهم الأمن والطمأنينة طوال سنوات الحرب، إلى أن حلّت جموع المُسلّحين المحسوبين على المعارضة السورية، فاستولت على عفرين، وحوّلت أهلها إلى مُهجّرين، أو غرباء على أرضهم، ونجحت عبرها أنقرة في جر جماعات الإخوان المسلمين بشقيها المسلح والمدني، ليكونوا أدواتً تُحرِق بها الأرض تحت أقدام الكُرد، وتُشتّت شملهم وتُيتّم أطفالهم، وتُشرّدهم عن ديارهم باسم الدين والله والوطن.

غير أن قلة من العفرينيين قد قرروا أنه، لا للتهجير ولا لترك الأرض، ولا لترك الزيتون، أياً كان الثمن، فبقي قرابة ربع السكان في قراهم ومراكزها، ليقاسوا الويل جراء عمليات الخطف، التعذيب، التنكيل والاضطهاد، وكأن السنوات بين عامي 2011- 2018، كانت وقتاً مُستقطعاً من ظلم طال أمده.

حيث سعت تركيا وأتباعها من المتطرفين السوريين بشتى السُّبل إلى خنق الحياة وسد أبواب الرزق أمام الكُرد، عبر الإتاوات على كل شيء، بما فيه التنقل، السكن، حراثة الأرض، المحصول والأعمال، فتم فرض الضرائب على نقل البضائع بين عفرين وريفها، وفرض أذونات تنقّل للسكان الكُرد بين عفرين وقراهم، وكأنهم يتنقّلون بين دولةٍ وأخرى، كما سنّوا التشريعات التي تُبيح لهم السطو على أرزاق المدنيين بحجّة الضرائب وحماية المحاصيل، وكأن ذلك ليس من مهام من يدير شؤون المنطقة كُرهاً وعنوة.

ورغم كل ذلك، يبدو أن العفرينيين المتشبّثين هناك، يُدركون أنهم صلة العودة التي يجب أن تحصل يوماً ما، مهما طال ميعادها، رغم تسلل اليأس والخيبة إلى نفوس الكثيرين، ممن هم في عفرين وفي مهاجرهم القسرية في الشهباء، حلب وشرق الفرات وغيرها، عَقِب الغزو التركي لمناطق سريه كانييه وكري سبي، فكأن ذلك قد أخمد ناراً لطالما كانت مُتّقدةً، تواقةً للخلاص من نير الاستعباد المفروض على العفرينيين.

وبعد عامٍ ونصف العام وأزيد من فرض الاحتلال ذاته، لا يزال “جبل الأحلام” الواصل بين باسوطة وكيمار الشيراويتين، حلماً لكل العفرينيين، حيث يطمح مَنْ في خارجها للعودة أسراباً كما يوم خرجوا منها، حتى يدخلوها ويُقبّلوا ترابها من جديد.

كما يطمح مَنْ هم في الداخل إلى ذلك اليوم، ليعودوا إلى احتضان ذويهم، أقاربهم، أحبائهم وجيرانهم وأبناء قراهم، وأضحى الجبل حلماً للعفرينيين، بين من يحلم بالعودة، وآخر يحلم باستقباله لهم.

إغلاق