قطر.. المُلحَق العربي لتركيا في شمال سوريا

لم يكن لذِكرِ “قطر” أيّ صدى في مِنطقة شمال شرق سوريا خلال التسعينيات، سواءً على الصّعيد المحلي أو السياسي، ولم يكن هناك أيّ ظهورٍ لـها في المنطقة؛ إلا من خلال الأخبار والحوارات التي كانت تبثها فضائية الجزيرة عن الشأن العربي العام.

خاصةً مع صعود القناة الفضائية الوحيدة حينها، وتسليطها الضوء على عددٍ من القضايا ذات الحساسية في دولة البعث في سوريا، كالقضية الكردية في الدول المجاورة، وإن كانت بصورةٍ تتماهى مع سياساتها.

لم يكن لـ “قطر” دورٌ يُذكر في الحراك السياسي للمنطقة مع ضعف النماذج السياسية التي تتسرّب منها القيادة السياسية في قطر. الضعف الكبير للأحزاب الدينية السياسية في المنطقة الكردية، صَعّب على الدولة الداعمة للإسلام السياسي، من التسرّب إلى المنطقة رغم المخيّلة المذهبية السُّنية الواضحة للجهات التي تدعمها قطر، والتي ترى، وتُروّج لمقولة «أن الكرد سُنّةٌ أكثر من كونهم أكراداً».

مع ذلك، لم يكن لقطر، البلد الخليجي المُعاقَب من جيرانه وأقرانه في المنطقة، أي وزنٍ يعتد به، حتى بدأت التظاهرات في سوريا، وشاهد العالم كيف أن تركيا التي تديرها جماعةٌ تُحسب على الإخوان المسلمين ترى في نفسها الغرور الكافي للتدخل بمصائر بلدانٍ قريبةٍ وبعيدة.

تلك التطورات على الساحة السياسية، أوجدت لقطر ساحاتٍ جديدة لحلفائها اليد الطولى فيها، خاصةً خلال السنوات الثلاث الأولى مما يعرف بالربيع العربي القاسي على شعوب المنطقة.

من الواضح أن النفوذ التركي في سوريا، يعتمد على التعاون مع الجماعات السُّنيّة المتطرّفة، ولم يعتقد القادة في قطر حينها، أنّ أفول نجم هؤلاء سيأتي مع التغيّرات الكبيرة التي وُلِدت في اللعبة الدولية والإقليمية حول سوريا.

في الوقت الذي كان النظام السوري يتلقّى الدعم الواضح من إيران وروسيا، تحوّل التنافس الخليجي المذكور إلى صراعٍ داخلي على النفوذ في ساحة المعارضة المُتآكلة مع الوقت.

لكن، لم تكن الجغرافية في صف الفريق الخليجي الذي كان يسير خارج مدارات قطر وتركيا، فوقوف تركيا على كامل الحدود الشمالية لسوريا الذي يُعدّ بمثابة وحشٍ إقليميٍ مغرور نتيجة الزهو الذي واكب وصول ساسة من أحزاب موالية للعدالة والتنمية إلى قيادة حكم مصر، ليبيا وتونس، حجّم دور السعودية والإمارات.

لذلك صارت تركيا اللاعب الأساسي في تغطية المعارضة السورية، بينما  قطر كملحقٍ إعلاميٍ ومادي لتركيا بالمقام الثاني. هذان اللاعبان اللذان لم يشوش على علاقتهما ظهور داعش، ولم يفك عقدة تحالفهما الغضب السعودي والمصري وحتى الغربي.

ومع سقوط حكم مرسي، وظهور السيسي، ومع بروز وزن حفتر في ليبيا، وعدم الرسوخ في سلطة حزب النهضة الإسلامي في تونس، كان هناك بروزٌ لكيانٍ إداريٍ وعسكري في الزاوية الشمالية الشرقية لسوريا بحمايةٍ من وحدات حماية الشعب سابقاً، وقوات سوريا الديمقراطية فيما بعد.

هذا البروز كان له عاملٌ مهم في تحويل بوصلة الأتراك في اللعبة السورية، همّش دخول الروس المعركة لصالح النظام أعداؤه المفترضين. فتبخّرت أحلام تركيا وقطر بوصول وسيطرة الإخوان المسلمين على السلطة في سوريا بعد السقوط المفترض لنظام الأسد.

كالعادة، عادت تركيا إلى عقدتها العنصرية مع الأكراد لتُركّز على تدمير الكيان المحلي في شمال شرق سوريا وفي عفرين، على حساب تعزيز علاقاتها مع روسيا ضد واشنطن التي اتّخذت قوات سوريا الديمقراطية حليفاً لها على الأرض للحرب على داعش.

من غير المفهوم للكثيرين، الانجرار القطري لصالح تنفيذ مآرب تركية العنصرية تجاه الأكراد، فدولة قطر لا تعتبر النصر التركي على الأكراد في سوريا انتصاراً ذو معنى بالنسبة إليها، على افتراض أن أيّ تقدّمٍ لتركيا على حساب قسد، يقابله تعزيزٌ للعلاقات الروسية مع أنقرة، وتعزيزٌ لنفوذ النظام السوري على حساب المعارضة المسلحة التي تدعمها قطر.

قطر التي تعشق الظهور بمظهرٍ أكبر من حجمها في الساحة الإقليمية، هي اليوم لاعبٌ في اللعبة المذهبية في المنطقة، وتميل بوضوح للحركات العسكرية السُّنيّة المُتشدّدة كحركة طالبان، النصرة وأحرار الشام، وشبيههم كُثر، لذا لا يُفيدها هذا الهوس التركي بالهجوم على مناطق سيطرة الأكراد وحلفائهم من عرب ومسيحيي المنطقة.

لعبت قطر مع تركيا في سوريا هذه اللعبة المُضرّة لها على المدى البعيد، نتيجة سوء تقديرٍ تَرَكّز على أحلام وصول الإخوان المسلمين لقيادة كامل العالم الإسلامي.

لكنها، وبعد أن فَشِلَت في تحقيق تلك الأحلام، استمرّت في تلك اللعبة التي تحوّلت إلى لعبةٍ تركيةٍ بامتياز، لأنها تبحث عن داعمٍ إقليمي لحمايتها من الكارهين لسياساتها في الإقليم.

العقاب الرُباعي ضد قطر، عزّز نفوذ تركيا لديها، كما عزّز استسلامها لتركيا التي تحتاج لقطر اقتصادياً وإعلامياً، في حين تحتاجها الأخيرة سياسياً وعسكرياً.

التوازن بين القوتين غير ذا نفعٍ، على اعتبار أن عوالم السياسة في تركيا غير مستقرة، وأن ظهور الجماعات السياسية التقليدية في الحكم ذات يوم، سيَهدم الجسر الموجود حالياً مع قطر، فالعلاقة وقتيّة أكثر ما أنها استراتيجية.

من زاويةٍ أخرى، فإن هذه العلاقة مع تركيا، تدفع قطر للمساهمة في تعزيز الاحتلال التركي على عفرين، وسرى كانييه وكري سبي، وتُمهّد الطريق إعلامياً ومالياً للبرنامج التركي لإعادة توطين مليون لاجئ سوري من العرب السُّنّة في المنطقة التي نزح منها حوالي ربع مليون شخص من السكان الأصليين.

ما تفعله ميليشيات المعارضة المدعومة من تركيا من فظائع بحق السكان الأصليين، تقوم قطر بتقديم التغطية الإعلامية اللازمة للتستر عليها.

هذا النوع من الدعم المذكور سابقاً، يُحرج العشائر العربية في شرق الفرات المتعاوِنة مع قسد، ويجرّها- مع رفضها لتركيا والميليشيات المتطرفة القادمة معها- للتفكير في حال حدوث أي خطر من نوع «انسحاب أميركا من سوريا» إلى العودة لحضن النظام السوري.

حوصر هؤلاء بين النظام السوري المُستبد، وتركيا العنصرية، والبقاء مع قسد، لكن تحت الضغط. هذا النشاط المريب لقطر، يضاعف من حجم الكراهية ضدها، ويزيد من الاعتقاد أن مصيراً مخيفاً ينتظر البلد الصغير الواقع على ضفة الخليج، وخاصةً أنه يخاصم جواره وينجرّ لصالح جماعاتٍ ذات صيتٍ في التّطرّف في المنطقة ككل.


إغلاق