التّحدّيات والمشاكل النفسيّة أمام العاملين في المجال الإنسانيّ خلال الأزمات

تواجه المنظّمات المحليّة في شمال شرق سوريا، تحدّيات كبيرة حيال تأمين الاحتياجات الأساسيّة للنّازحين وتخفيف وطأة الهجوم التركي عليهم، خاصةً مع تضاعف الجهد المطلوب بعد تعطيل معظم المنظّمات الأجنبيّة نشاطاتها، بسبب الوضع الأمني المضطْرب، كما تواجه الكوادر الطبية والعاملين في مجال الإغاثة والدعم النفسي، ظروفاً استثنائية في مجال عملهم لمواجهة الكارثة الإنسانية في المنطقة.

يحتكّ العاملون في هذه القطاعات، بحالاتٍ ومشاهد مروّعة خلال عملهم، مع الجرحى والمصابين وأشخاصٍ يمرّون بضغوطاتٍ نفسية كبيرة ممن اضطرّوا إلى ترك بيوتهم أو الذين تعرّضوا للصدمات النفسية والرعب أو فقدوا أشخاصٍ عزيزين.

سنتطرق إلى بعض المشاكل التي يمكن أن تعاني منها الكوادر الصحية والعاملين في الدعم النفسي والمنظّمات العاملة في المجال الإنساني، إضافةً إلى عرض بعض الإجراءات والمواقف التي من شأنها زيادة مناعة هؤلاء لمواجهة هاتيك المشاكل.

الصّدمة الثّانوية:

يُعدّ تقديم الدعم والمساندة للذين مرّوا بصدماتٍ نفسية وسماع قصصهم، جوهر أعمال الكوادر الإغاثية والإنسانية، كما أن التعرّض لهاتيك القصص، التي قد تكون مؤلمة بشدة والاحتكاك مع أناسٍ يمرّون بمعاناةٍ شديدة، يخلف تأثيراً ثانوياً، شبيها بالتعرّض ذاتياً للصدمة النفسية.

وبالتأكيد، هذا لا يعني تجنّب العاملين الاحتكاك بالذين تعرّضوا لصدماتٍ نفسية، كما لا يعني أن يمتنع هؤلاء عن طلب المساعدة أو إشراك الآخرين بقصصهم المؤلمة؛ بل المطلوب هو العمل على تقليل حالات التعرّض للصدمة النفسية أو التقليل من آثارها من خلال اتّخاذ الإجراءات اللازمة.

رغم عدم تعرّض هؤلاء الأشخاص بشكلٍ مباشر لصدماتٍ نفسية؛ إلا أن الاحتكاك المستمر والعمل المكثّف مع أشخاصٍ عاشوا أحداثاً مفجعة ويعانون من وضعٍ مأساوي، قد يُعرّضهم أيضاً إلى حالةٍ نفسية وأعراضٍ شبيهةٍ جداً باضطراب ما بعد الصدمة النفسية.

الضغط:

ردود الأفعال الجسدية والنفسية عند التعرّض للضغط، عمليةٌ طبيعية ومبرمجة، وظيفتها تحفيز الفرد وتوفير المصادر اللازمة لتجاوز الظروف التي يعتبرها الفرد مهدّدة وسلبية.

هدف هذه العمليّة، هو مقاومة الضغط وتجاوزه، إما من خلال تغيير الظرف المسبب للضغط أو من خلال إعادة ترتيب وتقييم العلاقة به.

إذ يصبح الضغط إشكالياً، حين لا تكفِ المصادر الموجودة لمقاومته، وهو ما يأتي نتيجةً لاستمرار الضغوط وشدتها أو تراكمها، في الوقت الذي قد يؤدّي استمرار الضغط بشكلٍ مزمن إلى الاحتراق النفسي.

الاحتراق النفسي: 

يمكن فهم الاحتراق النفسي على أنه الاكتئاب الذي ينشأ نتيجة لضغط العمل وفي سياق العمل، فعدم الرضا، عدم القدرة على الانتهاء من الواجبات المطلوبة، ضغط المشرفين، قلة الحوافز والرغبة على العمل، هي من الأسباب التي تؤدي للاحتراق النفسي، ولعل أهم الأسباب، هو ساعات العمل الطويلة بشكل مستدام دون وجود فترات استراحة كافية.

الإنهاك الوجداني:

تتمثّل هذه الحالة، بالنقصان التدريجي لقدرة العاملين في مجال الدعم الإنساني على الشعور بالتعاطف مع الوكلاء، قد يتطور ذلك إلى الشعور بعدم وجود معنى وقيمة للمهام التي يمارسها الشخص والشعور بلاجدوى مهنته، والشعور أيضاً بالعجز وفقدان الأمل حيال قدرته على المساعدة.

من بين الأسباب التي قد تؤدّي للإنهاك الوجداني، التعامل مع حالاتٍ صعبة، سماع قصص قاسية ومأساوية، التعامل مع حالاتٍ تعاني من العجز واليأس، أو مواجهة وكلاء لديهم نزعات انتحارية.

بالإضافة إلى عوامل خاصةٍ بالقائم بالمساعدة، مثل وجود توقّعات وموقف مثالي حيال قدرته على المساعدة، الإحساس بوجوب مساعدة كل الأشخاص وحل كل مشاكلهم، أو حين يدفع الشعور بالذنب وعذاب الضمير بمُقدِّم المساعدة إلى الامتناع عن أخذ فترات الاستراحة أو رفض الشعور بالراحة.

هناك جملةٌ من الإجراءات والمواقف التي يمكن العمل عليها لمواجهة هذه المضاعفات والوقاية منها: 

على المتطوعين في هذا المجال، تقييم قدرتهم واستعدادهم النفسي جيداً قبل البدء بالعمل، خاصةً إذا كان العمل يتضمّن الاحتكاك مع الحالات الصعبة والأشخاص المصدومين، كالشخص الذي عاش تجربة فقدان أو مرّ بصدمةٍ لم يشفِ منها، قد يجد من الصعب التعامل مع أشخاصٍ مرّوا بتجارب مشابهة، في نفس الوقت، تقع المسؤولية على المشرفين والإداريين في تقييم هذا الجانب لدى تشغيل العاملين والمُتطوّعين.

فضلاً عن معرفة حدود الخدمات والقدرات التي يمكن تقديمها في إطار المنظمة أو المشروع، والالتزام بهذه الأطر والاقتناع بها. واتخاذ هذا الموقف، يكون صعباً على هؤلاء الذين لديهم قناعات وتوقّعات مثالية حول دورهم أو حول وجوب بذل “كل شيء” في سبيل مساعدة المحتاج، حتى إذا تضمّن ذلك، تجاوز إطار وقواعد العمل لدى المنظمة أو حتى التحايل عليها؛ لبذلِ مجهوداتٍ على مستوى ذاتي من أجل المساعدة.

المعادلة البسيطة، هي أنه من خلال بذل “كل شيء” ستكون قادراً على مساعدة أشخاصٍ قليلين وتترك الباقي دون مساعدة. على المنظمة، تقديم التدريبات اللازمة قبل البدء بالعمل وتقديم خدمات الإشراف والمتابعة خلال العمل. إضافةً إلى تنبيه العاملين الجُدد إلى الضغوطات المحتملة ودعوتهم لتقييم قدراتهم النفسية وتوزيع الأدوار والمهام طبقاً لها.

على المنظمة أيضاً، تقديم بروتوكولات مهام واضحة للعاملين وتوفير قنوات سهلة للرجوع إلى المشرفين والإداريين.

داخل الفريق يمكن لكل عضو المساهمة من خلال اتخاذ موقفٍ مُتفهّم متعاطف تجاه باقي الأعضاء، عدم اتخاذ موقف سلبي فيه أحكامٌ مسبقة أو اتهاماتٌ بعدم الأهلية والقدرة، أو الضعف لدى الشخص الذي يواجه صعوبات، التنبّه الذاتي لوجودِ إشارات الضغط والإنهاك المبكرة وتنبيه الآخرين إليها، الانفتاح حيال مناقشة تجارب الآخرين والتشجيع عليها.

على المستوى الذاتيّ: 

وجود قناعاتٍ واقعية، عدم الشعور بالذنب حيال الحاجة للراحة، عدم إهمال العادات الصحية حتى أثناء ضغط العمل (الاستراحة، النوم، التغذية والرياضة)، وجود الاستعداد لطلب المساعدة، أخذ الوقت الكافي للتّأمّل في التجارب المؤثّرة والتّصالح معها وعدم إهمال الحاجات والاهتمامات الخاصة والالتزام بحضور التدريبات ووسائل التخفيف التي تُقدّمها المنظّمة.

قد تتمثّل النقطة الأساسية في الموقف الأخلاقي الذي تتّخذه المنظّمة، في المحتاجين للمساعدة من جهة،  وفي الفرد داخل المنظّمة من جهةٍ أخرى.

ورغم التشابه؛ إلا هناك فرقٌ كبير بين العجز ومعرفة حدود المساعدة، فالعاجز يقول لنفسه «ليس بوسعي فعل شيء، لا الآن ولا في المستقبل، وكل ما قمت به بلا معنى»، بينما يقول العارف لحدود المساعدة «قدّمت كل ما بوسعي وسأستمر، ساعدتُ الكثيرين ولو قليلاً ولم أستطع مساعدة آخرين، وهذا أمرٌ طبيعيٌ ومتوقّع، ووجودي في موقع تقديم المساعدة، لا يعني أن أكون قادراً على مساعدة الكل في كل شيء».

إغلاق