(الهويّات القاتلة)

يهيمن الماضي فتستبعد الثقافة المشتركة

عندما تشتعلُ الحرب، وتتسرّب آثارها إلى أرواح الجميع؛ الذين كانوا يوماً ما مزروعين في خاطرةِ الشفق، يسكنون تحت قبّة سماء بلدٍ واحد، ويتقاسمون جمال الحياة، آمالها وآلامها معاً، دون أن يكدّر صفو تلك الأرواح شيء، ودون أن ترفع روائح القتل والحرب رأسها بين ليلةٍ وضحاها؛ ليستيقظ كل شيء من رقدة العدم، وتنطلق الصرخة التي كانت قابعةً في ثنايا ماضٍ سحيق، بقي الموت غافلاً عنه زمناً طويلاً، لتعود تلك الهويّات إلى ذلك الماضي؛ تستلهم منه عقائدها، أفكارها ومنهجها مرةً أخرى؛ وليعود تاريخ الوجع، الألم والقلق يطفو على السطح مرةً أخرى؛ مع تلك الهويّات التي حملت بروق رُهابِها، وانطلقت تحثّ ريح العدم؛ لتلوي عنق التاريخ، وتشعل نار الحرب الكامنة في النفوس؛ فيكون التناحر والشقاق لغةً جديدة لحربٍ طالت نارها الجميع نتيجة (هويّاتٍ قاتلة)؛ كانت ملامحها غافيةً لبعض الوقت، وإن كانت تظهر بين الفينة والأخرى، ولكنها لم تكن تبلغ ما بلغته من أعمالٍ أدّت إلى نتائج كبيرة ووخيمة على مدى سنوات، تنهل من دم الجميع، وترتوي من معين أجسادهم على وجه الأرض كلّها، والمشهد السوري خيرُ مثال على تلك الحالة، حينما أعلن عن نفسه في بلد لم يُترك فيه سوى الرعب والدمار والموت.

هذا المشهد الذي أتُخم بالمجازرَ الكبيرة، وبتهجير الناس، ليصبحوا مغتربين في شتّى دول العالم، ويعجزوا عن التماهي مع غيرهم في الدول الأجنبية التي التجؤوا إليها؛ وذلك لأنهم بقوا خائفين على هويّاتهم الأصلية التي كانوا عليها، ورفضوا فكرة الذوبان في مجتمعات اللجوء، وظلّوا يعيشون على أحلام الحياة واللحظات التي قضوها هناك، فعانوا الأمَرّين في ذلك، وتسببت لهم هذه الحالة بعنتٍ شديد، وألمٍ نفسيّ كبير؛ لأنهم – وكما كانوا يفكرون – سيفقدون صلة الوصل بينهم وبين أهلهم، ولن يتمكّنوا من المحافظة على عادات وتقاليد بلدهم الأمّ، مثلهم مثل أبناء كافة البلدان والدول التي حدثت فيها الصراعات والحروب، لأسبابٍ عدّة، وتقع في مقدمتها ما أشار إليها الكاتب (أمين معلوف في كتابه الهويّات القاتلة)؛ عدم القدرة على الانفتاح على الغير، واستيعابهم، وفهمهم، وبالتالي التوصّل معهم إلى حلولٍ حياتيةٍ مشتركة؛ تمكّنهم من العيش بسلامٍ ومحبة؛ بعيداً عن كل ما يؤدي إلى الخلاف والتناحر والشقاق، ويتسبب بمآسٍ كارثية، وحروبٍ أهلية، وتمييزٍ عنصريّ، وتكوين فِرقٍ ومِللٍ وطوائف مدعومة بأفكار التطرّف والتديّن حيناً، والإرهاب حيناً آخر، يدفع الأبرياء ثمنها.

أسباب تجاذب مسألة الهويّة

يعترف الكاتب بأن السبب الذي دفع به إلى تأليف هذا الكتاب، والتوقّف على هذه المسألة؛ أي (مسألة الهويّات القاتلة)؛ هو ما رآه، ويراه في العالم من حوله، من ضروب الإرهاب، ومشاهد القتل والعنف التي تُمارَس كل يوم من قِبَلِ جماعةٍ ضدّ أخرى، أو طائفةٍ ضدّ طائفة أخرى؛ بغض النظر عن السبب الذي يقف خلف هذا الإرهاب، لأنه ليست هناك أسبابٌ تدفع إلى ذلك أصلاً، سوى في ذهنيّة وعقليّة من يقومون بها، وخاصةً في المجتمع المحليّ، وضمن تلك الرؤية المحدودة لأصحاب ذلك المجتمع إلى الآخرين من حولهم، ويتوصل الكاتب إلى أن المعضلة الرئيسة في ذلك تكمن في مشكلة (الهويّة)؛ والتي تتحوّل إلى قاتلةٍ فيما بعد، لكلّ من يحملها، أو يحاول الارتكاز عليها في سبيل الحفاظ على هويّته المحلية، أو الخاصة به، وبطائفته، وتكون نتيجة هذه القناعة التي يتمسّك بها أهلها وخيمة، فتُحوّلهم إلى مجرمين، وقَتَلةً، أو أتباعاً للقتلة والمجرمين، لأنهم يُصبحون أرضية مناسبة، وقاعدةً اجتماعية سهلة التحكّم بها من قبل الجماعات الطامحة إلى السيطرة عليها؛ وذلك من خلال تأليب بعضها على بعض، بإثارة القلاقل بينها؛ بغية التوصّل إلى غايتها المنشودة، وهي تحويل أرضها إلى ساحة حربٍ كبيرة؛ تستقطب جميع المتشدّدين والعنصريين إليها.

ويبيّن الكاتب وجهة نظره في الناس المنحازين إلى الطرف الذي ننتمي إليه؛ إذ أننا نعتبرهم أصدقاءً لنا، قبل أن تُثار مسألة الهويّة فيما بين أبناء البلد الواحد، وبعد أن تُثار هذه المسألة يصبح الغير من أبناء البلد نفسه، والذين لا ينتمون إلينا منحرفين، ومنشقّين ومارقين، ويتوجب علينا أن نحاربهم من وجهة نظرنا، لأنهم خارجون عن فكرنا، تعاليمنا، أفكارنا ومعتقداتنا: «تحدثت عن الهويّات القاتلة، وهذه التسمية لا تبدو لي ضرباً من الغلوّ، لا سيما وأن المفهوم الذين أدينه، ذلك المفهوم الذي يختصر الهويّة في انتماء واحد، يحصر البشر في موقف متحيّز ومتعصّب، متشدّد ومهيمن، لا بل وانتحاريّ في بعض الأحيان، غالباً ما يحوّلهم إلى قتلة أو أتباع قتلة ، فتتشوّه رؤيتهم إلى العالم وتنحرف».

بدائل وحلول للهويّة القاتلة

يقترح الكاتب بدائل كثيرة تساعد على التخلص من هذه المشكلة التي تؤدي إلى نتائج سلبية دائماً؛ ليس على مجتمعاتها فحسب؛ بل على الإنسانية جمعاء، لعل هذه البدائل تساعد على التخفيف من هذه الأزمة، والمشكلة التي تعدّ بحقّ قاتلة كما أطلق عليها الكاتب، وأظهر آثارها ونتائجها على كافة الأصعدة، لذلك لابد للبشر أن يتسلّحوا برؤيةٍ أكثر منطقية وعقلانية وموضوعية عند النظر إلى المفاهيم الخاصة بالمجتمع المحلي، والمجتمع العالمي؛ بغية التوصّل إلى حلولٍ تُنجّيهم الكوارث، وتُبعِد عنهم شبح الحروب التي أتى الكاتب على ذكرها في كل من (لبنان- رواندا- صربيا- البوسنة وحروب البلقان- الحربين العالميتين- التمييز العنصري في أميركا)، ومن هذه البدائل التي اقترحها الكاتب هي: «القوة الهائلة التي منحها العلم والتكنولوجيا الحديثة للإنسان، يمكن أن تصلح لاستعمالات متناقضة، بعضها يدمّر، وبعضها يرمم – الرغبة الانتمائية التي يجب عدم التعامل مع هذه الرغبة لا بالاضطهاد، ولا بالتساهل؛ بل مراقبتها، ودراستها بهدوء، وتفهّمها، ثم ترويضها، وتدجينها، لو شئنا ألا يتحوّل العالم إلى غابة، وألا يشبه الغد أبشع صور الماضي، وألا يضطرّ أبناؤنا، وبعد خمسين، أو مئة عام، أن يشهدوا المجازر، والترحيل، وغير ذلك من أشكال التطهير – الديمقراطية – والتنوع الثقافي – اعتبار الهويّة حصيلة لانتماءاتٍ متعددة – وعدم حصرها في انتماءٍ واحد – الاضطلاع على ثقافات المجتمعات الأخرى، مع الحفاظ على الثقافة الأصلية، دون الضياع والتمزّق فيما بينهما – العمل على ألا يشعر الإنسان بأنه مستبعد عن الحضارة المشتركة بدلاً من الالتجاء إلى الماضي، واعتباره مثاليّاً – الاستفادة من معطيات الحضارة في الحياة، والتكنولوجيا، وجعلها أساساً لعملية خلق هويّة عالمية، من خلال التعامل مع جميع البشر، وعدم الانكفاء على الذات».               


– (الهويّات القاتلة)، للكاتب (أمين معلوف)، ترجمة، نهلة بيضون، صادر عن دار فارابي للنشر، عام 2015، الطبعة الثالثة، ويقع في 192 صفحة من القطع المتوسط.    

إغلاق