بناءُ المقاوَمة النّفسيّة في زمنِ القلقِ والوَباء

مع تجاوز عدد المصابين بفايروس كورونا (كوفيد 19) مليوني شخص حول العالم، وتخطّي عدد الوفيات حاجز 100 ألف، بحسب آخر إحصاءات منظمة الصحة العالمية، ونتيجةً للخطورة النسبية لهذا الوباء العالمي، لجأت الحكومات إلى اتّخاذ جملةٍ من الإجراءات، في مقدمتها الحَجْر الصحي، الذي يتسبب بضغوطاتٍ نفسية على أفراد الأسرة؛ مترافقةً مع مشاعر سلبية تنتابهم داخل منازلهم، كنتيجةٍ طبيعية لما يتعرضون له من أخبارٍ مُحبطة وإجراءاتٍ احترازية من جانب الحكومات والجهات الصحية.

ويظل القلق – في ظروف كهذه-  سيد الموقف، إلا إذا ما أراد المرء احتواءه والتكيف معه والتخفيف من آثاره السيئة،  فدماغ الإنسان مُبرمجٌ ليرُكّز على استشعارِ مصادر الخطر، ومع كل هذه الأخبار الواردة عن الإصابات والوفيات، وتقلّص دائرة النشاطات البشرية والعلاقات الاجتماعية، وتأثّر العمل وتردي الوضع الاقتصادي وانخفاض القدرة على تأمين الحاجات بسبب الحجْر، يصير الدماغ في حالةٍ من توقّع الخطر بصورةٍ دائمة ويفرز ردّ فعل الخوف والضغط.

المعاناةُ من القلق بصورةٍ مُزمنة، تؤدّي لجملةٍ من الأعراضِ النفسية والفيزيولوجية، فقد يعاني الإنسانُ القَلِق من قِلة النوم أو اضطرابه، كذلك تدني الطاقة وضعف القدرة على أداء الأعمال، وفقدان الاهتمام والاستمتاع، فضلاً عن سرعة الغضب والحساسية الزائدة، وكثرة الأفكار والمشاعر السلبية، إضافةً إلى مشاكل في القدرة على التركيز والنسيان. 

هناك دورٌ كبير للموقف الذي نتخذه حيال تلك الظروف والأفكار، فإعطاء الوباء الحجم المناسب من الأهمية والخطورة دون التقليل من شأنه أو المبالغة من خطورته؛ أمرٌ يساعد كثيراً على التأقلم والتّفهم. 

فاتخاذ “الموقف المتضامن” هو شكلٌ من أشكال احتواء المخاطر النفسية بمعنى «هذا وباء عالمي، علينا كلنا العمل سوياً للقضاء عليه بصرف النظر عن مدى تأثيره عليّ شخصياً» إذ يزيد  هذا الموقف من القدرةِ على التّفهم والتّقبل ويكسب المعاناة معانٍ إنسانية.

الإنسان ينفر بطبيعتهِ من حالة عدم التيقّن والأشخاص يختلفون في مدى قدرتهم على تحمل هذه الحالة. وهنا يكمُن الموقف الأصح في اتّخاذ كل الإجراءات اللازمة للتقليل من احتمالِ الإصابة، وفي الوقت ذاته، من الضروري أن تعتبر نفسك غير مصاب طالما ليست هناك أعراض، أي أن يكون يقين عدم إصابتك آتياً من غياب الدليل على أنك مصاب ما يساعدك على الشعور بالأمان. 

الموقف العكسي المُتمثّل بـ «أنا مصاب طالما ليس هناك دليل على كوني غير مصاب» سيجعلك بحاجةٍ للفحوصات على مدار الساعة، وهو أمرٌ غير ممكن، ما يجعل دماغك يتصرّف على أساس أن هناك خطر كبير، بينما في الحقيقة الأمر متعلق بكيفية اتخاذ الموقف من كونك مصاب أو لا كعملية ذهنية. 

قد يجِدُ من هُم مدمِنون على العمل، صعوبةً في تقبّلِ فكرة عدم القيام بشيء. بينما في الحقيقة، الجلوسُ في المنزل والالتزام بقواعدِ الحَجرِ الصحي؛ هو إنجازٌ بحدّ ذاته وهي رفاهيةٌ غير متوفّرة للكثيرين الذين تضطرهم ظروفهم للخروج للعمل أو سواه. 

طاقة الفرد كلها، يجب أن تُركَّز في هذه المرحلة على الكسل، طالما سمحت ظروفه بذلك. يجب أن تُصرَف كل الطاقات على الشعور بالراحة والترفيه والترويح عن النفس لتجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر النفسية. 

إن الذين تهاجِمهم  الرغبة في الإنجاز ويبنون خططاً يرغمونها على أنفسهم لـ “عدم تضييع الوقت“ هم أكثر عرضة للقلق والضغط، مقابل الذين ينظرون لهذه المرحلة كفرصةٍ لمشاريع ترفيهية مثل مشاهدة قائمة من الأفلام أو المسلسلات أو مجرد عدم القيام بأي شيء.    

المشاعر السلبية؛ كالحزن والشعور بالعجز والخوف وفقدان الإحساس بالأمان والقلق، هي ردودُ فعلٍ مُتوقَّعة في هذه الظروف. تذكّر أن وجود هذه المشاعر أمرٌ طبيعي ومتوقَّع، إذ ليس من المعقول أن يكون هناك وباءٌ عالمي وحظر تجوال؛ دون أن نشعر بأي قلق. 

ينفر الإنسان عادةً من تلك المشاعر السلبية، ومعظمنا يظن أن الحلّ يكون في محاولة قمعها ومقاومتها وإبعادها، بينما في الحقيقة، المطلوب منا جميعاً هو تقبّلُ هذه المشاعر والأفكار السلبية. 

هناك مبدآن مُهمّان فيما يخص المشاعر، أولهما لا يمكن التحكم بالمشاعر بشكلٍ مباشر، لذلك من الأفضل تقبّل وجودها بدلاً من المحاولات اليائسة لإبعادها، فهي بالنهاية مشاعري أنا وهي هنا ليست عن عبث؛ بل لها أسباب.

 ثانياً لا يمكننا الحكم على المشاعر بالخطأ أو الصواب؛ بل من الأفضل عدم  منحها أي معانٍ أو تأويلاتٍ أخرى، سوى كونها مشاعر، لذلك تقبّل مشاعرك، سمّها، عبّر عنها، ناقشها، راقبها دون الحكم عليها أو تقييمها. 

النّومُ الجيد يساعد على تقليلِ القلق:

يمكن القول أن القلق يتغذى على قلّة النوم، قد تعاني من صعوبة في الخلود للنوم (الأرق)، أو النوم المتقطّع، حيث تستيقظ عدة مرات في الليل أو تستيقظ باكراً جداً دون القدرة على الرجوع للنوم ثانيةً، أو من النوم الزائد.

 جملة القواعد التالية أثبتت فاعليتها لتحسين النوم: 

  • التحضير والذهاب للنوم في ساعةٍ معيّنة كل يوم. 
  • مكان النوم يجب أن يكون مظلماً، هادئاً ذو تهوية جيدة ودرجة حرارة مناسبة. 
  • الامتناع عن تناول المشروبات المنبّهة ابتداءاً من بعد الظهيرة مثل الشاي، القهوة، المتّة والكولا. 
  •  متابعة أفلام أو مسلسلات مرعبة أو التي تتسبب بالإثارة قبل الذهاب للنوم، يجعل النوم صعباً. 
  • الامتناع عن استخدام الأجهزة الالكترونية قبل ساعةٍ على الأقل من الذهاب للنوم. 
  • استخدام الفراش فقط من أجل النوم والاستغناء عن القيام بأي نشاطٍ آخر في المكان المخصص للنوم. 
  • لا تجعل من السرير مكاناً لاجترار الأفكار والمشاعر السلبية، إذا وجدت نفسك غير قادرٍ على النوم، يمكنك ترك السرير والقيام بنشاطٍ آخر والعودةُ ثانيةً عند الشعور بالنعاس.  
  • بالإضافة لذلك، التعرض لضوء النهار، الطبيعة، وممارسة الرياضة هي من الأمور التي تساعد على النوم ليلاً، مع الالتزام بقواعد الحجر الصحي ومسافة الأمان عند الخروج. 

إذا كانت  العناية بالنفس أمراً غائباً عن قاموسك أو عن جدول أعمالك، فالآن هو الوقت المناسب لإدراجها، ممارسة تمارين التأمل أو الاسترخاء أو اليوغا أو الأيروبيك ليس فقط تُقلّل من القلق والضغط؛ بل تُحسّن من القدرة على التركيز وتحسّن النوم وتقوّي جهاز المناعة، بالإضافة لفوائد صحيّة أخرى. 

هناك عددٌ كبير من هذه التمارين ويمكن البحث عن أنواعها من مصادر مختلفة وإيجاد المناسب لكل شخص على النت، وإحدى أبسط تمارين الاسترخاء هي تمارين التنفس ومسح الجسد. 

رغم تنوعها، تكمن الفكرة الأساسية في الجلوس أو الاستلقاء في وضعٍ مريح، توجيه الانتباه إلى عملية التنفس (التنفس بشكل واع) دون محاولة التحكّم به، هذا لبضع دقائق، ثمّ يمكن بعدها توجيه الانتباه بالتوالي إلى مناطق مختلفة من الجسم وخلالها الإحساس بكل منطقة بصورةٍ واعية: ما هي الإحساسات الوارد من كل منطقة؟ 

إذا كان هناك شدٌّ في عضلات تلك المنطقة، يمكنني التنبه لها الآن وإرخاؤها، هل هناك شعور بالألم، البرد، الحر، إلخ؟ يمكنني التنبه لهذه الإحساسات والشعور بها دون محاولة التحكم بها. 

يمكن الانتقال هكذا في مناطق الجسم على الشكل التالي: اليد والذراع اليسرى، ثم اليمنى، الوجه، الكتفين، الظهر، البطن، الردفين، الفخذين، الساقين والقدمين. يمكن ممارسة هذا التمرين في أي وقت وبعدد المرات التي تناسبك. 

الابتعاد عن المتابعة المستمرة للأخبار المتعلّقة بوباء كورونا وإحصاءاته، فالمتابعة المكثفة والتفصيلية ليس منها جدوى، الكثير من قنوات ومنصات الإعلام غير المسؤولة، تستغلّ خوف الناس خلال هذه الأزمات لرفع عدد المتابعين. 

من المعروف أن الخوف والشعور بعدم الأمان يدفعان المرء لاستهلاك الأخبار، وهذا الاستهلاك يزيد بدوره من درجة القلق والخوف، وهكذا نكون في حلقة خبيثة تغذّي نفسها بنفسها، لذا من الأفضل متابعة الأخبار من مصادر مختارة، عددها قليل وفي أوقات محددة مسبقاً، مثلا لمدة لا تزيد عن نصف ساعة. 

إدراج روتين يومي لنفسك ولأفراد العائلة أمر في غاية الأهمية، فذلك يُعوّض مثل هذا الروتين عن الخسارة الناتجة من عدم الذهاب للعمل أو ذهاب الأولاد للمدرسة. 

ففي الحالات العادية يتكفّل دوام أفراد العائلة بتنظيم الوقت وهيكلة اليوم، ومن المعروف أن الروتين اليومي يحسن المزاج ويشكل مصدراً مهماً يأخذ منها الدماغ الإشارات اللازمة كي تقوم الساعة البيولوجية عند الإنسان بتنظيم البيئة الداخلية للجسم حسب أوقات ومتطلبات البيئة الخارجية، لأن الخلل الناجم عن نقص تلك الإشارات الزمنية يؤدي بالتالي إلى الخلل في الإحساس بالطاقة، الشهية، النوم والمزاج.                  

التواصل مع أفراد العائلة أو غيرهم من المحجورين داخل المنزل الواحد، يساعد في التغلب على مشاعر الوحدة والانعزال والحزن، وفي الوقت نفسه، يجب السماح للذات وللآخرين بقضاء بعض الوقت مع الذات والبقاء وحيداً. 

قد تكون هذه الأزمة، فرصة لاكتشافِ أمورٍ جديدة عن نفسك وعن الأشخاص المحيطين بك، قد تكتشف من خلالها جوانب جديدة من حياتك أو من حياة ذويك لم تكن تعرفها سابقاً. 

إغلاق