الإدارةُ الذّاتيّة تواجِه كورونا بإمكاناتٍ ضَعيفة

خلوّ الشوارع تقريباً من المارة في فترة حظر التجوال، مشهدٌ خَبِره قاطنو مدن شمالي وشمال شرقي سوريا حين أجرى مركز (روج آفا) للدراسات الاستراتيجية إحصاءاً سكانياً عام 2016، كما خَبِروا ذات المشهد، مع اختلاف سماع أصوات القذائف والبنادق، خلال هجوم الجيش التركي الأخير مع فصائل سوريّة موالية له على هذه المدن أواخر 2019.

يبدو المشهد مختلفاً مع فرض الإدارة الذاتية حظراً للتجوال، كإجراءٍ احترازي لمواجهة فايروس كورونا المستجد منذ 23 آذار/مارس المنصرم، فالعدو هذه المرة غير مرئي، وقد يتفشّى الوباء سريعاً بين السكان؛ في ظلّ الضعف الشديد للبنية التحتية الصحية في هذه المناطق، مُنذراً بإحصائياتٍ من نوع آخر؛ إصابات، حالات تعافٍ ووفَيات.

أزمة أجهزة

مستشفى “كوفيد ١٩” بريف مدينة الحسكة، هو مستشفى مُجهّز بـ 120 سريراً لاستقبال حالات الاشتباه وحالات الإصابة بفيروس كورونا ذات الأعراض المتوسطة، أنشأته حديثاً منظمة الهلال الأحمر الكردي، وهي منظمة طبية غير حكومية أُسّست عام 2012 وتعمل ضمن مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشمال شرقي سوريا، بكادرٍ تعداده يناهز  1300 و60 سيارة إسعاف، وهي واحدة من حوالي 10 منظمات تعمل في المجال الطبي بالمنطقة.

«المستشفى قيد التطوير، لاستقبال الحالات القصوى» وفق تصريحٍ لمجلة (شار) أدلى به “دلكش عيسى” المنسق الطبي العام للمنظمة: «نقوم بتجهيز ملحق للمستشفى سيضم 5 أسرّة للعناية المشددة لاستقبال الحالات الخطرة التي تحتاج إلى أجهزة التنفس الاصطناعي».

ازداد الطلب العالمي في الآونة الأخيرة على أجهزة التنفس الاصطناعي، ما حدا بالشركات المصنعة إلى زيادة إنتاجها، لأهمية تلك الأجهزة في تثبيت حالة المريض في حالة الإصابة بالفيروس، ريثما يتمكّن جسمه من التغلب على المرض والاستجابة للأدوية.

تتوزع أجهزة التنفس الاصطناعي في شمال شرقي سوريا ضمن مستشفيات الحكومة السورية ومستشفيات الإدارة الذاتية، العسكرية منها والمدنية، إضافةً لبعض المستشفيات الخاصة.

«عملنا مؤخراً على استقدام المزيد منها ليصل العدد إلى 55 ضمن خطة تهدف للوصول إلى 100 جهاز تنفس اصطناعي في المنطقة» يقول “جوان مصطفى” الرئيس المشارك لهيئة الصحة في الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا.

بينما يَعِد “دلكش عيسى” «بتجهيز ملحقات منفصلة لثلاث مستشفيات في كلٍّ من ديرك، الطبقة ومنبج، وتزويدها بـ 7 أجهزة تنفس اصطناعي و20 سريراً للحالات المتوسطة لكل مستشفى بدعمٍ من منظماتٍ دولية».

في وقتٍ أعلنت هيئة الصحة في الإدارة الذاتية عن توصّلها لـ “كيت”  اختبار يكشف الإصابة بفيروس كورونا خلال 30 ثانية، بنسبة خطأ لا تتجاوز العشرين بالمئة، وهو ما وصفه “مصطفى: بـ «الناجع والسريع» لدى استخدامه في نقاط التجمع كالمعابر الحدودية، كاختبار مبدئي يمكنه تحديد الحالات الإيجابية لتُحوَّل لاحقاً إلى الفحص عبر اختبار تفاعل (البيوليمراز) المتسلسل المعروف بالـ PCR وقد حصلت الإدارة الذاتية مؤخراً على 4 أجهزة تقوم بهذا الاختبار من إقليم كردستان العراق، ودخلت حيز الاستخدام منذ ثلاثة أسابيع، وقبل ذلك، كانت مختبرات المنطقة تفتقر لهذا الاختبار.

يقول “عيسى”: «اعتمدنا بدايةً على منظمة الصحة العالمية في فحص بعض العيّنات، ولاحقاً تحوّلنا للاعتماد على أجهزة الإدارة الذاتية بعد توفّرها».

 

تصوير: هوزان هادي

خطرٌ جدّيّ على المخيمات 

يتوزع 11 مخيماً للنازحين واللاجئين في شمالي وشمال شرقي سوريا بمجموع قاطنين يزيد عن مائة ألف، تؤكد مدير مكتب شؤون المنظمات الإنسانية بمدينة قامشلي، “أمينة عيسى” عدم كفاية النشاطات التي تنفذها المنظمات المحلية والدولية لمواجهة كوفيد ١٩.

داعمةً قولها بتقارير اطلَعت عليها مجلة (شار)، حيث توضح هذه التقارير الأنشطة التي نفذتها مختلف المنظمات الإنسانية في مخيمات الإدارة الذاتية، والتي لم تتعدَّ توزيع بعض المعدات الصحية كالكمامات والمعقمات، بالإضافة لبعض الأنشطة التوعوية بخصوص الفيروس المستجد، وكان سقف تلك النشاطات هو تزويد الهلال الأحمر الكردي ببعض المعدات الطبية لحالات الإصابة ذات الأعراض المتوسطة.

تقول “أمينة عيسى”: «هذه النشاطات لن تسدّ الاحتياج في حال تفاقم الوضع وانتشر الفيروس في شمالي وشمال شرقي سوريا، أما إن بقي الوضع على ما هو عليه، فهي كافية إلى حدّ ما».

ويقول المنسق الطبي للهلال الأحمر الكردي، «إن الدعم المقدم من هذه المنظمات خجول لا يرقى لمستوى الخطر المحدق بالمنطقة في حال تفشى المرض، وما زاد الطين بلة هو إغلاق معبر تل كوچر (اليعربية) على الحدود السورية العراقية أمام المساعدات الإنسانية وفق قرار مجلس الأمن 2504 والذي تستمر مدته 6 أشهر من تاريخ إقراره مطلع عام 2020 الجاري، وهذا ما أفقد “الهلال الكردي” 75% من المساعدات التي كان يتلقاها عبر هذا المعبر» وفقاً لــ “عيسى”.

بينما يصف “مصطفى” القرار بـ «الجريمة بحق شعوب المنطقة» مشيراً إلى أنهم «لن يستطيعوا مواجهة الوضع في حال تفشى المرض ووصل عدد المصابين للآلاف»، ويُرجِع ذلك إلى «شحّ المواد الطبية اللازمة للحالات القصوى، والنقص في الكادر الطبي الذي لا يتعدَ 3000 بين أطباء/طبيبات وممرضين/ات بالإضافة إلى عدم تعاون الحكومة السورية معهم»، ويضيف: «حاولنا فتح قنوات لمواجهة الجائحة معاً، إلا أنهم أفشلوا الأمر مراراً».

خياران أحلاهما مرّ

الإجراءات الاحترازية التي فرضتها الإدارة الذاتية من حظر للتجوال، وتعطيل المؤسسات الرسمية والمدارس والجامعات وإغلاق المعابر ،كان لها الفضل في تأجيل وصول الفيروس، وبالتالي الحصول على مزيد من الوقت لاتخاذ بعض التدابير واكتساب الخبرة في مواجهته، وفق منسق “الهلال الكردي” الذي استفاد من فترة الحظر تلك في تحديد أرقام ساخنة للنقاط الطبية وللمواطنين على حد سواء بهدف استقبال حالات الاشتباه، ووضعها في خِيَم عَزل خاصة بكل مدينة بالتنسيق مع هيئة الصحة، بالإضافة إلى التنسيق مع المجالس المحلية للأحياء (الكومونات) للإبلاغ عن حالات الاشتباه ومراقبتها والحرص على عزلها في المنزل إن لم تتطلب الحالة نقلها للمشفى.

اضطرت الإدارة الذاتية لاستبدال الحظر الكلي بحظرٍ جزئي يبدأ من السابعة  مساءاً حتى السادسة صباحاً، في ظل حالة عدم رضى شعبي، نتيجة للضرر الاقتصادي الذي لحق بالعائلات ذات الدخل المتدني، والتي تعتمد غالبيتها على العمل بالأجر اليومي، وهو ما يفتح باب تفشي المرض على مصراعيه في ظل انتشار مناطق التجمعات كالأسواق الشعبية وغيرها، وضعف التزام السكان بإجراءات التباعد الاجتماعي واستخدام الأدوات الصحية الموصى بها من كمامات ومعقمات وغيرها.

إغلاق