سلة محاصيل سري كانييه تسلب -عنوة – من أصحابها

دُونَ جَدوى، لكنْ أمَلاً في تعويضِ جزءٍ من خسارتهِ في الموسمِ الزراعي الفائت، يتواصل “هاني سليمان” 27 عاماً، عن طريق تطبيق (الواتس آب) مع أحد جيرانه المتواجدين بريف “سري كانييه” الغربي؛ موكّلاً إياه أرضه الزراعية، علَّ الأخير يتمكّن من حصادِ محصوله.

عشرون هكتاراً من محصول القمح، هي آخر ما قد يجنيه “سليمان” من أرضه الزراعية، بعد أن استولت فصائل المعارضة السورية المُسلّحة التابعة لتركيا، على محصوله كاملاً، إضافةً لمُعدّاتٍ ومستلزماتٍ زراعية، وذلك عقب العملية العسكرية المُسماة بـ «نبع السلام» التي بدأت في التاسع من أكتوبر تشرين الأول 2019.

يعمل “سليمان” في محطة وقود بقرية “سيگر” جنوب مدينة الدرباسية، التي يعيش فيها مع عائلته منذ نزوحهم من “سري كانييه”. يداعب ولديه الصغيرين بعد يومٍ من العمل الشاق، ويتحدّث لـ مجلة (شار) حول الخسائر التي مُني بها جراء العدوان التركي: 

«استثمرتُ مع شريكٍ لي قطعة أرض مساحتها 90 هكتاراً في قريتي “مختلة” و”بوغا” بريف “سري كانييه” الغربي، زرعنا منها 13 هكتاراً بالقطن، وكان قد حان أوان حصاده عندما نزحنا، بعد ذلك سرقت فصائل المعارضة السورية مستودعاتنا التي كانت تحوي نحو 10 أطنان من إنتاج محصول البطيخ، الذي جنيناه حديثاً، ونحو 20 طناً من بذار القمح، و 5 أطنان من السماد و 25 ألف لتر من المازوت، إضافةً إلى خزانات وقود ومولدة كهرباء».

خسارة “سليمان” وشريكه، لم تتوقّف عند محتويات مستودعهما؛ بل تعدّت لمحصول القطن الذي استولى عليه مسلّحو فصائل المعارضة، بعد أن انتهى الشريكان من حصاده خلال نوفمبر تشرين الثاني 2019 بقرية “بوغا”، يقول لـ (شار) مُتحسّراً:

«استأجرنا عمالاً وحصدنا المحصول، بعد أن سمح لنا ما يُسمى بـ (جيش الإسلام) الذي كان يسيطر على القرية، لكن بعد انتهاء الحصاد وقبل نقل المحصول، الذي بلغ 170 كيساً، استولى مسلحون يتبعون للفرقة 20 التابعة لـ (فيلق الشام) عليه، وطردوا شريكي من الأرض».

هذه التعديات والانتهاكات تحصل في منطقة زراعية خصبة ووفيرة المياه، عرفت على الدوام برفدها للسلة الغذائية السورية بكميات هائلة من المحاصيل الاستراتيجية كالأقماح القاسية والطرية والشعير والقطن والخضروات، التي أسهمت بقوة في الأمن الغذائي، ووفرت فرص العمل لشريحة واسعة من المواطنين على مدى عقود طويلة.

يتشارك مئات المزارعين من “سري كانييه” وريفها، مع “هاني سليمان” المصير ذاته، نتيجة استيلاء مُسلّحي المعارضة السورية على حقول أبناء المنطقة المُهجّرين قسراً، بعد سرقة محاصيلهم وآلياتهم ومعداتهم الزراعية ومستلزماتها، وتعمّدهم إحراق حقول زراعية على خطوط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية السورية بريف تل تمر وزركان/أبو راسين، فضلاً عن جرف القوات التركية بعض الحقول لإنشاء قواعد عسكرية مكانها.

«نبع السلام» وما تلاها من خراب:

أفضت عملية ما تُسمى بـ «نبع السلام» التي انتهت في 22 اكتوبر/تشرين الأول 2019 إلى سيطرة الجيش التركي وحلفائه على منطقةٍ حدودية واسعة في شمال شرقي سوريا بطول نحو (120) كيلو متراً بين مدينتي “سري كانييه” شمال الحسكة و”تل أبيض” شمال الرقة.

ووفقاً لـ (مكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة) أدى التوغّل التركي في شمال شرقي سوريا إلى نزوح 200 ألف شخص على الأقل، من المناطق الواقعة بين مدينتي “سري كانييه” و”كري سبي”، بينما قدّرت الإدارة الذاتية عدد النازحين من “سري كانييه” وحدها بـ 162.5 ألف شخص، من بينهم 45 ألف طفل.

في وقتٍ، اتهمت منظماتٌ حقوقية محلية ودولية، بينها (هيومن رايتس ووتش) و(العفو الدولية) خلال أوقاتٍ مُتفرّقة، الجيش التركي وفصائل المعارضة، بارتكاب «انتهاكاتٍ جسيمة وجرائم حرب»، بما في ذلك «القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين»، خلال الهجوم على مناطق في شمال شرقي سوريا، فضلاً عن اتهامها بمنع عودة العائلات الكردية المُهجّرة، ونهبِ ممتلكاتها والاستيلاء عليها أو احتلالها بصورةٍ غير قانونية.

الاستيلاء على أملاك الإيزيديين:

الصبغة الدينية والمذهبية التي اتسم بها خطاب فصائل المعارضة المنضوية ضمن ما يُسمى بـ «الجيش الوطني»، دفعت أتباع الديانة الإيزيدية في “سري كانييه” وريفها إلى النزوح، مع بدء العملية العسكرية التركية، حيث بلغ عدد العائلات الإيزيدية في المدينة  قبل عملية «نبع السلام» 45 عائلة، كان يقطن أفرادها في حي “زرادشت” وقرى (شكرية، تل صخر، جان تمر، والأسدية) في ريفها، بحسب (البيت الإيزيدي) في “سري كانييه”.

«ترك الإيزيديون خلفهم مساحة 1100 هكتار من الأراضي الزراعية، وتعرّضت ممتلكاتهم أيضاً للسرقة بعد أن استولى عليها مسلحو ما يُسمى (لواء صقور الشمال) الذي يتبع للفيلق الثاني لـما يسمى ب”الجيش الوطني السوري”»، وفقاً لـ “رامي سيدو” من المكوّن الإيزيدي من أبناء قرية “شكرية” شرقي المدينة.

يقيم “سيدو” 36 عاماً، حالياً مع عائلته في مدينة عامودا، محاولاً الاستقرار مجدداً، يقول لمجلة (شار): «إن الإيزيديين لن يعودوا إلى “سري كانييه” في وقتٍ قريب، نظراً لغياب الأمن والاستقرار، وخوفاً من عدم قدرتهم على ممارسة طقوسهم الدينية في ظل تواجد جماعاتٍ متطرّفة دينياً».

«سرق مسلحو المعارضة أكثر من 100 طن من بذار القمح، و 200 ألف لتر من المحروقات، ونحو 100 هكتار من محصول القطن، بعد جَنْيهِ عَقِب نزوحنا، كما سرقوا جميع الآليات والمعدات الزراعية من قرى الإيزيديين، فضلاً عن استيلائهم على منازلنا وممتلكاتنا»  يقول “سيدو” لـ (شار) وهو يحصي ما نهبه المسلّحون من مزارع وحقول الإيزيديين في المدينة وريفها.

إفراغ صوامع الحبوب ونقل محتوياتها إلى تركيا:

بحسب (هيئة الاقتصاد) التابعة للإدارة الذاتية، فإن مساحة الأراضي الزراعية التابعة لـ “سري كانييه” تُقدّر بـ 144 ألف هكتار، تخضع معظمها الآن لسيطرة تركيا وفصائل المعارضة السورية، كما استولت “أنقرة” وحلفائها على نحو 24 ألف طن من القمح، و 1.5 ألف طن من بذار القمح المعقمة، و 12 ألف طن من الشعير، و 2.5 ألف طن من السماد، كانت مُخزّنة في صوامع حبوب (عالية، السفح ومبروكة)، إضافةً لـ 2.4 ألف طن من القطن في صوامع “السفح”، حيث كانت الإدارة الذاتية مستمرة في شراءه من المزارعين، في حين لم تكن عمليات الحصاد قد انتهت بعد.

لم تقتصر ممارسات الفصائل المُسلّحة في “سري كانييه” وريفها على سرقة ونهب ممتلكات المدنيين ومحاصيلهم الزراعية؛ بل تعدّت إلى أكثر من ذلك، بعد أن «سرقوا المولدات الكهربائية وغطاسات ضخ المياه من المشاريع الزراعية في ريف المدينة، وعمدوا إلى تحطيم محوّلات كهربائية تُستخدَم في تغذية المشاريع الزراعية بالتيار الكهربائي بهدف استخراج كمية من النحاس منها لا تتجاوز قيمتها 50 دولاراً» بحسب ناشطين محليين تحدّثوا لـمجلة (شار).

الناشطون ذاتهم قالوا لـ (شار): «بعد العملية العسكرية التركية، باتت اليوم فصائل المعارضة التي تدعهما أنقرة، تُسيطر على الأراضي الزراعية التي كانت تعود ملكيتها لـ (الشركة السورية الليبية للاستثمارات الصناعية والزراعية) التي تبلغ مساحتها 18.7 ألف هكتار، فضلاً عن الأراضي العامة التي تسمى (مزارع الدولة) البالغة مساحتها 35 ألف هكتار وتقوم بتسويق الإنتاج إلى تركيا، حيث كانت مديرية الزراعة التابعة للإدارة الذاتية قد استثمرتها من خلال زراعتها بمحاصيل بعليّة (القمح والشعير) قبيل العملية العسكرية التركية، كما استولى مسلحو الفصائل على آلاف الهكتارات من المساحات العائدة ملكيتها لمدنيين مُهجّرين، واستثمارها وزراعتها أيضاً، بحجة ولاء أصحابها للإدارة الذاتية».

صورة ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية تظهر القاعدة العسكرية التركية بالقرب من جسر قرية “السفح” جنوبي سري كانيه/رأس العين.

استيلاء تركيا على أراضي المدنيين لإنشاء قواعدٍ عسكرية:

عَمَدَت تركيا، عَقِب عملية ما تُسمى «نبع السلام»، لإنشاء قواعد عسكرية تركية في ريف “سري كانييه”، منها قاعدة عسكرية في قرية “داودية ملا سلمان” بالقرب من بلدة زركان/أبو راسين، حيث «جَرَف الجيش التركي عدة منازل طينية لمدنيين من القرية، وذلك لتسوية وتحصين محيط قاعدتها العسكرية»، بحسب أحد سكان القرية الذي قال لمجلة (شار): إن القوات التركية «طردت السكان العائدين إلى منازلهم من القرية وأعلنوها نقطةً عسكرية».

صورة لجنود وآليات عسكرية تركية في قرية داودية ملا سلمان

تتوزّع عدة قواعد عسكرية تركيّة في ريف “سري كانييه” الشرقي، الجنوبي والغربي، ويتواجد فيها «جنودٌ أتراك من مختلف الوحدات والتصنيفات العسكرية، وهي محمّية بالسواتر الترابية والخنادق المحفورة في محيطها، تفادياً لهجماتٍ مُحتملة» بحسب ما وثّقته مجلة (شار) بناءً على شهاداتٍ أدلى بها ناشطون من المنطقة.

ويُضيف هؤلاء، ممن رفضوا كشف هويتهم لأسبابٍ أمنية، أن «إحدى أكبر القواعد العسكرية التركية في ريف المدينة، أُنشِأت في نوفمبر تشرين الثاني 2019، على أرضٍ زراعية استولت عليها “أنقرة” بالقرب من قريتي “تل الصفا” و”الريحانية” جنوبي المدينة، كما حوّلت منزل إحدى العائلات النازحة بالقرب من جسر قرية “السفح” (13 كم جنوبي المدينة)، إلى قاعدةٍ عسكرية أيضاً».

صورة ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية تظهر القاعدة العسكرية التركية بالقرب من قريتي “تل الصفا” و “الريحانية” جنوبي سري كانيه/رأس العين

موسمٌ فقير.. تلتهمه نيران الحرب:

يبدو أن الموسم الزراعي هذا العام في “سري كانييه” سيكون الأقل إنتاجاً منذ عقود، حيث لا تتعدَّ المساحات المزروعة بمحصولي القمح والشعير 20 ألف هكتار، أي نحو 20% فقط مما كانت عليه في العام الماضي، وذلك نتيجة نزوح وتهجير غالبية المزارعين ممن أُجبِروا على ترك أراضيهم دون زراعتها، باستثناء مساحاتٍ كانت قد زُرِعت بعلاً قبل العملية العسكرية التركيّة، أو تلك التي زرعها مسلّحو فصائل المعارضة أو وكلائهم عقب الاستيلاء عليها وتهجير سكانها.

لم تَسلم تلك المساحات المزروعة من الحرائق، حيث عمدت فصائل ما تسمى بـ «الجيش الوطني»، أكثر من مرة إلى إحراق المحاصيل الزراعية في خطوط التماس بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية، ونقاط القوات الحكومية السورية في ريفي تل تمر وزركان/أبو راسين، كما أحرقت 400 هكتار من المحاصيل الزراعية في قرية “زيدي” غربي “سري كانييه”، والتي تعود ملكيتها لعائلة “خَلّي”، وذلك بحجة ولائها للإدارة الذاتية.

حريق قرب المعبر الحدودي لمدينة سري كانييه/حزيران 2019/ وكالة هاوار

استغلال المزارعين وفرضِ إتاواتٍ عليهم:

هذا الموسم، وبعد حصاد محصول الشعير المزروع بعلاً في “سري كانييه”، وجد المزارعون أنفسهم مُجْبَرين على بيعِهِ بسعر التكلفة، بعد حسم أجور الزراعة والحصاد والنقل، فلا منفذ أمامهم سوى السوق التركي عبر معبر “تل أبيض” الذي تسيطر عليه «الجبهة الشامية» التي «ستتولى مهمة الشراء بسعر 60 دولار أميركي للطن الواحد ثم تبيعه فيما بعد لتجارٍ في الجانب التركي بسعر 100 دولار للطن الواحد»، بحسب العديد من الشهادات التي أدلى بها مزارعون من ريف “سري كانييه” لمجلة (شار).

وليس بعيداً عن ذلك، فقد «فرضت إحدى الكتائب التابعة لفرقة (السلطان مراد) على كل مزارع في قرى بريف “سري كانييه” الجنوبي، 7 أكياس من المحصول سواء كان قمحاً أو شعيراً، كإتاوة للسماح لهم بالحصاد» بحسب مزارعٍ من قرية “الأهراس” والذي أكّد لمجلة (شار) أنه «تقدّم بشكوى ضد مسلحي الفصيل لدى المجلس المحلي في المدينة، لكن دون جدوى».

بالتزامن مع إعداد التحقيق، وصلت مجموعةٌ من الحصادات الزراعية قبل أيام إلى “سري كانييه” قادمةً من تركيا عبر المعبر الحدودي في مدينة “كري سبي”، حيث من المُحتمل أن تبدأ بحصاد كافة المحاصيل في المنطقة، بعد منع تركيا وجماعات المعارضة المسلحة دخول حصاداتٍ زراعية لجني المحصول من خارج مناطق سيطرتها.

إغلاق