مصنعْ كآبَة يُدعَى (العالَم)

نقيضُ الثَبات:

لا تغدو الأشياءُ في ثباتِها هيَ ذاتها، تبدو غيرها، أو هكذا يخيَّلُ إلى النَّاظرِ إليها، كما هي حالُ المحالّ المغلَقَةِ جرَّاء الإجراءات الاحترازيَّة منعاً لتفشّي الفايروس المستجدّ الوافد من الغيب باسم كوفيد-19، كذلكَ النَّاسُ في سير أمورِها اليوميَّة تتغيَّر مع أنَّها ثابتة! ثابتة على إثرِ منع التجوال. 

منذ إجراءات الإغلاق، لم أعد أرَ ذاكَ النَّازحَ من دير الزور، صداقةٌ غيرُ ثابتةٍ وطارئةٍ كغيرها في هذا العالمِ نَمَت، وباتت حاضرةً حتَّى الآن رغم الغَلقْ، رأيتهُ في اليوم الأخير يبتاع احتياجاتٍ قالَ عن أسعارها أنَّها سَعيرٌ “يشوي الأبدَان” فصمتُّ لبهاءِ التّعليق.

ضدَّ المرَض:

يحتالُ المرءُ هنا في هذه الرقعة على نفسه أن يُقارِن مناعته بمناعةِ الأجنبيِّ، الأخير الذي تغطّي جلدَهُ بقعٌ سوداء لأنّه لا يرى الشمس طوالَ العام! هذا ما أخبرتني به الخالةُ المقيمةُ في أوروبا فتعجّبتُ، إذن أين يلتقطُ الأجنبيّ كلَّ هذه الصور التي نَراهَا يوميَّاً له، وهو تحت أشعَّة الشمس؟ أبتسِمُ للمناعةِ التي تَشعُّ جليَّةً من جسد الطفل الذي يقلِّبُ أكياس القمامَةِ باحثاً عن قوتِ أملٍ يُمضي به اليوم الخامس من انعدامِ العملِ والمنع والإغلاق، بينما يسمعُ مذيع الأخبار في تلكَ الأثناء بصوتهِ وهيئتِهِ المعتلَّة كاشفاً السِّتارَ عن أمراضٍ في هيئة أناسٍ يعيثونَ في العالَمِ أسراراً عصيَّةً على الإدراك. 

التّباعدُ الاجتماعيّ:

أُمعِنُ في ما سيسبّبِهُ الدَّاءُ الرَّاهِنُ من تباعدٍ جسديٍّ أو اجتماعيِّ في الأيَّامِ القادِمة، ليَثِبُ إلى ذهني التباعدُ الأساسيّ منذ غابر الأزمان، التباعدُ ذاك الذي أفضى بنا إلى الرَّاهن بقوامهِ، فأرشُّ وجهيَ المتعَبَ برذاذٍ من الأملِ السائل الذي يَسري في شرايين البيت، ينتابُني الحنينُ إلى زمنِ البساتينِ المرويَّة بمياهِ المجاريرِ العَفِنةِ وهي تسري كالدمِ داخلَ أبدانِنا فنستمرُّ رغم ذلك بكسرِ شبابيكِ المنازلِ ونوافذِ السيَّارات المركونةِ؛ فارِّينَ نحوَ البراري خيفةً من عقابٍ أبويٍّ محتوم، نعودُ مساءً إلى جنَّتِنا، نغتسلُ فيذهبُ كلُّ داءٍ عائداً إلى المجاريرِ ساقيَاً الفواكهَ والخضار مرَّةً أخرى ليقضمها غيرُنا في مكانٍ آخَرَ.

الإعلام: 

تتقافزُ الأرقامُ على الشاشات مثل كنغرٍ مدرَّبٍ لغرَض السيرك! مرضى الكوفيد -19 ترتفعُ درجاتُ حرارةِ أجسامهم دونَمَا أملٍ، فيما ترتدي المذيعةُ الحسناءُ قفّازيها وهي تحدِّقُ بالمذعورينَ المتفرِّجين، تنقسمُ الشاشَةُ إلى شَطرين، فيظهرُ المبعوثُ بينَ النَّاسِ مرتديَاً قفَّازيه كذلك واضعاً الكمَّامة أسفل فكِّهْ، وهو يجولُ بنظرهِ باحثاً عمَّن كانوا في ذعرٍ قبل قليل، فلا يُبصِرُ أحداً منهم، تطمئنُّ عينهُ، يرتِّلُ مرتعداً غوامضَ الأحوالِ خلال أربعِ وعشرينَ ساعةٍ مضت.

 على الجانبِ الآخر، على الأريكَةِ، ثمَّة من يفكِّرُ في الدَّاءِ إن أقبلَ، كيف لهُ أن يعملَ مع رفاقهِ، يرتاحُ لفكرةِ أنَّهُ سيُمسي رقماً، مثله كمثلِ من أمسوا أرقاماً قبله.

العيشُ:

يقتعدُ البائعُ الرصيفَ على بُعدِ أمتارٍ عن محلّه، يائساً من الإغلاقِ الذي يبدو أنَّهُ يسيرُ على قَدمٍ وساق!، عينهُ كالرادار تراقبُ أملاً في البيع، يلتفتُ إليَّ، ومن ثمّ بلهجةٍ بدويَّةٍ غارقَةٍ في القِدَمِ يثرثرُ عن الصَّحراءِ والمساحاتِ الترابيَّةِ التي كانت فيما مضى تُشوى بنارِ السَّماء لتغدوَ أفراناً لعجينِ الأمَّهات، وألعاباً لأطفالٍ نسوا ملامحَ آبائِهم، فكيفَ نجوا من الدَّاءِ كلِّه!.

يفكِّرُ البدويُّ مُتابعاً بعد تنهيدَةٍ: العالَمُ باتَ ليِّناً ومَرِنَاً الآن، لقد تاهَ عن جبروتِهِ وصلابته، من ذا الذي يعيدنا إلى الصخورِ القاسيةِ التي سحبناها لنقتلَ الضبعَ المتربِّص بالقرية؟ من ذا الذي يخفِّفُ الآنَ من روعِ الأسعارِ ويمسحَ على رؤوسها المتعدّدِة كرؤوسِ الأفاعي في حكاياتِ جدّتي القديمة؟! أتلّمسُ الورقة النقديَّة التي بَهُتَت في جَيبي، أفكَّرُ في الشراء، أنسى رؤوسَ الأسعارِ المتعدِّدة متأمِّلاً عربَات النجدةِ التي تجولُ محذِّرَةً من الغَمامَةِ السوداءْ. 

مصنعُ الكآبة:

يقولُ أنَّ المَلَل قتله أو كادَ، رغمَ حكاياتِ المَلَل القديمةِ التي باتت جزءاً من سنيِّ عمره الفائتة دونَ أن ينتبه إليهَا، وعلى ما هو جليٌّ؛ فإنَّ المَلَل سيغدو العنصرَ الأكثر بهاءً في المقبلَةِ كذلك، متذَمِّرَاً من المذاقِ الرَّكيكِ للعزلَةِ والكآبة يعضُّ على نَدَمه من رواحه ومجيئهِ الكَثيرَين قبل ذلك، كانَ لا بدَّ أن يتهيَّأ للأسوأ في مصنعِ الكآبة الذي يُدعَى العالَم، أو يسمَّونهُ “العالَم”، قرأ في الكتبِ عن العُزلَةِ والوِحدَةِ، فلم يعثُر بين صفحاتها سوى على وِحشَتِهِ، خيَّل إليهِ أنَّ العالَمَ ذا جدارٍ واحدٍ، بيدْ أنَّهُ فشلَ في تحديد اتجّاه ذلك الجدار الوحيد، كثيرون حدَّثوهُ سابقاً عن الجدرانِ الكثيرةِ والسَّميكَةِ للعالَم، جدرانٌ يمكنُ تحطيمهَا بالقراءَةِ، سوى أنَّهُ اصطدمَ بجدارٍ أطلقوا عليه لفظَ الـ”دَّاء”، فغدت القراءةُ نفسها جداراً، ولكن جداراً من الممكنِ تسلّقهُ وبغية القَفزِ نحوَ البساتينِ والحقولِ خَلفاً إلى العزلة والكآبَةِ مرَّةً أُخرى.

وسواسٌ قهريّ:

أفكِّرُ في ما إذا انتهت العُزلَةُ فعليَّاً، إلى أين ستوَلِّي وساوسُنا؟! أعودُ أسألُني، أعاودُ البحثَ عن الإجابَةِ بوسواسٍ قهريٍّ أيضاً، فمن ذا الذي سيتدخَّلُ لإيقافِ وساوس الهجومِ على صنابير المياه التي جُفَّت شرايينُها على إثر مزاجٍ احتلاليٍّ لدولَةٍ محتلَّةٍ تحاربُ المرءَ في مياهه وهوَ المسكينُ التَّعِبُ في تدبيرِ معيشَةِ يومَه نابذاً الحربَ، من ذا الذي يمكنهُ جَلبَ عًلب المعقِّمات التي استغلَّها التجَّارُ (كما كلِّ شيءٍ)، أينَ تلكَ القوَّةُ اللامرئيَّةُ العظيمة التي لها أن توقِفَ هذا المدَّ في تصويرِ كلِّ عَطسَةٍ على أنَّها عارٌ؟.    

ذاكرةُ المرضِ والوقاية:

كثيراً ما تتردّدُ مفردة “وقاية”، صدى المفردة في الأنحاءِ كُلِّها، في المكان والزمان بالمعنى ذاته الذي خِلتُهُ يعني الابتعاد، أو خالَهُ الباقونَ على أنَّهُ اغترابٌ، سوى أنَّ الأمر لا يعدو أن يكونَ حرباً بينَ أطيافِ أشباحٍ لا مرئيَّةٍ من عائلةٍ مَلكيَّةٍ تُنعَتُ بالـ “تاجيَّة” وبينَ وقايةٍ بكمَّامةٍ أو قفَّازٍ مطَّاطيّ وبمناعةِ ابتعادِ الآخر عن الآخَرِ متراً واحداً أو ربمَّا سنواتٍ ضوئيَّة! أودُّ لو أن تكونَ ذاكرة الوقاية أضخمُ وأنقى من ذاكرَةِ المرضِ، بذا نطوي الأخيرةَ ونَفرُش ذاكرة الوقاية، يُحكَى أنَّ للمناعةِ ذاكرتها التي لا تَشيخ، هذا ما قاله الحكماءُ فيما مَضى، ذاكرةٌ لا تخيبُ ولكن لها أن تتعثَّر وتتأخَّرَ في جلبِ القوَّةِ الكافية للمُضيِّ قُدُمَاً في الحرب.

إغلاق