مياومون في زمنِ كورونا.. خَوفٌ مُزدَوج من آثارِ الوَباء

في ظلِّ حظرِ التجوّل الذي فرضته الإدارة الذاتية شمال وشرقي سوريا، منذ أواخر مارس آذار الفائت، لمواجهة وباء كورونا المستجد (كوفيد 19)، برزت أزمةٌ أخرى عانى منها الفقراء بالدرجة الأولى، والعمال المياومون بشكلٍ خاص، حيث وُضِعوا أمام خَيارين أحلاهما مرّ، فإما مواجهة الإصابة بمرضٍ غير محمود العواقب، بل ونقل العدوى إلى غيرهم، أو البقاء في منازلهم كإجراءٍ احترازي، لكن دون موردٍ مادي يقيهم من لهيب الأسعار منذ أشهرٍ ليست بالقليلة.

إذا لم يقتلنا كورونا ستقتلنا الحاجة:

يعاني  “حسن سليمان” الذي يقطن في مدينة قامشلو من مرضَيّ السكري، والربو التحسسي، ويُنفق أكثر من 30 ألف ليرةٍ سورية شهرياً لشراء الأدوية، إضافةً إلى أجرة المنزل الذي يسكنه، التزم بقرار حظر التجوّل، كإجراءٍ وقائي من فايروس كورونا، لفترةٍ من الزمن خوفاً على صحته، لكنه اضطرّ للعودة إلى العمل بعد عدة أسابيع؛ كونه المعيل الوحيد للعائلة المؤلفة من زوجته وأطفاله الستة.

يبيع الرجل الخمسيني الخضار في سوق (حطين) الشعبي غربي المدينة، لديه “بسطة” متواضعة يفرش عليها نوعاً أو نوعين من الخضار يومياً، يقف خلفها منذ ساعات الصباح الباكر وحتى وقتٍ متأخر، إلى أن ينفق ما لديه من بضاعة، ثم يعود إلى عائلته منهكاً بتعبه ومرضه بانتظار يومٍ جديد يجد فيه رزقه.

تسببت جائحة كورونا بموت كثيرٍ من الناس في أنحاء العالم، لكنها خلّفت أضراراً كبيرة للعوائل الفقيرة، سيما العمال المياومين (يعمل بالأجرة اليومية)، يقول “سليمان” لـ مجلة شار: «أنا واحد من هؤلاء، لقد توقفت عن العمل لمدةٍ طويلة ولم يَعُد لديّ المال لسدّ احتياجات البيت والأولاد، وأنا الآن لا أملك حتى أجرة البيت، إذا لم تقتلنا كورونا ستقتلنا الحاجة».

يسكن “سليمان” مع عائلته في بيتٍ استأجره من أحد معارفه بسعرٍ يُعتبر زهيداً، مقارنةً بأسعار إيجار المنازل في المنطقة، وذلك  كمساعدة له، ورفقاً بوضعه المادي.

يقف هذا البائع، خلف البسطة دون كمامة أو حتى قفازات، ويبرر ذلك «بعدم قدرته على استخدامهما بسبب الأوساخ المتراكمة على الخضار، وأنه يجب أن يبدّل القفازات بشكلٍ مستمر، وهذا ما لا يستطيعه، بسبب غلاء سعرها».

تحت رحمة التجار والسماسرة:

يعاني أصحاب الدخل المحدود في المنطقة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصةً بعد انخفاض قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وهو ما يتسبّب بخلق حالةٍ من عدم الرضى الشعبي عن الوضع القائم.

«ترتفع الأسعار بشكلٍ متسارع، التجار ينسبون ذلك لارتفاع سعر الدولار وارتفاع أسعار الشحن وأمور أخرى، أنا لا أستوعب ذلك» يتحدث “سليمان” عن أسعار الخضار مندهشاً.

يعزو الرئيس المشارك للإدارة العامة للتموين في الإدارة الذاتية “عبد الباسط كوتي” أسباب ارتفاع الأسعار وتفاوتها وعدم القدرة على ضبطها بشكلٍ كامل، إلى «الوضع الاقتصادي الخارج عن سيطرة الإدارة الذاتية».

ويقول لـ مجلة شار: «إن شحنات الخضار والفواكه تأتي من الداخل السوري، ويتم تحديد سعرها هناك، ثم يشتريها التجار بالدولار، عدا عن مصاريف الشحن، وبما أن سعر الدولار غير مستقر وهو في ارتفاع مستمر، فهذا ينعكس على الأسعار بالليرة السورية أيضاً».

وينوّه “كوتي” إلى أن الأمر ينطبق على المواد الغذائية والاستهلاكية المستوردة من إقليم كردستان العراق أيضاً، فالفواتير، وفق “كوتي”، «تسدد بالدولار ويبيع تجار الجملة والمفرق البضاعة في مناطق الإدارة الذاتية بالليرة السورية».

“سلمان محمود” 50 عاماً، بائع خضار في سوقٍ شعبي، قَدِم من الحسكة إلى قامشلو عام 2013 بسبب تردي الأوضاع الأمنية، يقول: «نحن نشتري البضاعة بالدَّين من التجار أو من سوق الهال، ويسجلونها على شكل فواتير نسددها لاحقاً بعد بيع البضاعة، لقد تضاعفت الأسعار بشكلٍ جنوني والناس لم يعودوا يشترون الخضار بكمياتٍ كبيرة، وإنما بحسب إمكاناتهم الضعيفة حالياً».

ويتذمر “محمود” من ضيق الحال وتردي وضعه المعيشي خاصة بعد قرار فرض حظر التجوال، يقول في حديثه لـ مجلة شار: «إذا كنت أشتري البضاعة بسعرٍ باهظ أصلاً، فهل عليّ أن أبيعها بخسارة، حتى الإقبال على الشراء أصبح ضئيلاً».

«حتى الجناحات صارت حسرة»: 

تشكي “لمعة محمد” 60 عاماً من مدينة قامشلو، سوء الحال بسبب ارتفاع الأسعار بشكلٍ كبير في فترة الحظر، تقول: «لم يعد بإمكاننا العيش، الخوف من المرض من جهة والغلاء من جهة، أنا هنا منذ الصباح وأحاول شراء بعض الخضار من أجل وجبة الإفطار لكنها باهظة الثمن».

تبتسم ابتسامةً ساخرة وتتحدث عن موقفٍ تعرّض له زوجها حين ذهب لبائع الفروج ليشتري بعض الجوانح، فامتنع الأخير عن البيع بحجة أن تسعيرة التموين المفروضة عليهم منخفضة، وأنهم يجب أن يبيعوا الفروج بسعر 1800 ليرة للكيلو الواحد. وتقول لـ للمجلة: «حتى الجناحات صارت حسرة».

تعيش “لمعة” مع زوجها، وابنها وزوجته وطفلته الرضيعة، كان ابنها أيضاً يعمل بأجرةٍ يومية على بسطة لبيع الخضار في سوق القامشلي الكبير، لكنه بقي عاطلاً عن العمل طوال فترة إغلاق السوق الذي افتتح مجدداً منذ ثلاثة أيام فقط.

وعن كيفية تدبير أمورهم طيلة تلك الفترة، أكدت: «كان ابني يتقاضى ثلاثة آلاف وخمسمائة ليرة يومياً، كنا نتدبر أمورنا بها، كان الوضع مقبولاً، لكن بعد الحظر لم نَعُد نملك المال الكافي، وصرنا نقضي حاجتنا مما تبقى من المونة الشتوية».

 تصوير: أفين يوسف

رغم الحاجة يدعو إلى مساعدة الأهالي:

يتفق البائعان “سلمان محمود” و”حسن سليمان” على أن الوباء تسبب بالضرر لمعظم الناس وخاصة الفقراء والمحتاجين منهم، ويريان أنه يجب الالتزام بالأسعار التي تضعها الجهات المعنية في الإدارة الذاتية ليستطيع الجميع عبور هذه الأزمة بسلام، ورغم حاجته يُشدّد “سليمان” على أنه يجب على الجميع مساعدة بعضهم البعض، حتى وإن كان ذلك سيتسبب ببعض الخسارة لهم.

ويضيف: «يأتي موظفو التموين بشكلٍ يومي تقريباً لمراقبة وضبط الأسعار، ويطلبون منا مساعدتهم لنستطيع تجاوز هذه الأزمة معاً، ونحن نحاول قد الإمكان تخفيض الأسعار لأدنى مستوياتها لمساعدة أهلنا إلى أن ينتهي هذا الوباء، لكن أسعار الشراء من عند التجار باهظة، ولا يمكننا البيع بخسارة فهذا رزقنا الوحيد».

توفّر البضاعة واحتكار التجار:

يؤكد الرئيس المشارك للإدارة العامة للتموين في الإدارة الذاتية، أن الإدارة العامة للتموين وحماية المستهلك تحاول منذ بداية الحجر الصحي وحظر التجوّل في المنطقة أن تضبط الأسعار بما يتناسب مع الوضع، ومنع الاحتكار قدر المستطاع، وأنهم كانوا حريصين على عدم انقطاع أية مادة غذائية أو استهلاكية من الأسواق.

ويرى أنهم «استطاعوا تحقيق ذلك إلى حد جيد»، لكنه استدرك «وجود بعض ممن أسماهم بـ “تجار الأزمة” الذين يستغلون الأوضاع لاحتكار البضائع ورفع أسعارها».

يقول “كوتي”: «اتُّخِذت إجراءات بحق هؤلاء التجار وبعض أصحاب المحلات، جولاتنا الرقابية على الأسواق مستمرة بشكل يومي، نصدر قائمة بأسعار المواد الغذائية واللحوم والخضار وغيرها بشكلٍ دوري ليلتزم بها الباعة، لكن لا يخلو الأمر من وجود بعض الذين لا يلتزمون بها، وبذلك؛ فهم يعرضون أنفسهم للمخالفة».

وعلى الرغم من دعوة الإدارة الذاتية للمواطنين إلى تقديم شكاوى بحق مَن لا يلتزم بالتسعيرة الرسمية، إلا أن الواقع بقي على ما هو عليه، وبقيت أزمة كورونا تلقي بكاهلها على عاتق الفقراء بشكلٍ خاص، بينما استغلها التجار كما فعلوها في أزماتٍ سابقة خَلَتْ.

إغلاق