الحوارُ الكُردي- الكُردي في خطوتهِ الأولى

الرّسائلُ تطغى على التّفاصيل

رغم الأجواء السّرية التي رافقت نقاشات المجلس الوطني الكردي من جهة وحزب الاتحاد الديمقراطي والأحزاب المتحالفة معه من جهة أخرى، وما رافقتها من تسريبات وتصريحات إعلامية، يبدو  أن الاتفاق الذي أُعلن عنه؛ ليس سوى صيغةٍ أولية للتفاهم حول المسائل السياسية والتي قد تفتح الطريق للحوار الذي دعا إليه قائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” برعايةٍ مباشرة من الجانب الأميركي الممثل بالسفير “ويليام روباك” وبتنسيقٍ مع قيادات إقليم كردستان.

ففي السادس عشر  يونيو حزيران الجاري، جاء البيان المشترك للطرفين الكُرديين ليؤكّد على رؤيةٍ سياسية مشتركة، وانطلاق مرحلةٍ جديدة لمناقشة مسائل الحُكم والإدارة والحماية والدفاع، واعتبارِ  بنود اتفاقية دهوك عام 2014، أساساً للحوار في مرحلته القادمة.

وبذلك، سنكون أمام إعادة هيكلة مؤسسات الإدارة الذاتية التي كان إعلانها من ضمن ما اتفق عليها الطرفان (المجلس الوطني الكردي وحركة المجتمع الديمقراطي) بعد اتفاقية دهوك، لكن لأسبابٍ عديدة؛ أُعلنت الإدارة الحالية من طرفٍ واحد، أما بالنسبة لإعادة هيكلتها (أي مؤسسات الإدارة) فستتم بما يرضي الطرفين، وتراعي مصالح واشنطن الراعية الأساسية للحوارات، والتي تسعى لبناء إدارةٍ أو منطقة نفوذ تناسب مصالحها في سوريا وتراعي تخوّفات حليفتها تركيا.

مؤتمرُ الرّسائل

يبدو أن الغاية من مؤتمر الحسكة، كانت إرسال رسائل في عدة اتجاهات أكثر من أن تكون إحاطة بفحوى الحوارات الجارية، الرسائل هذه ستكون بالدرجة الأولى لتركيا، كدولةٍ إقليمية لم تنقطع عن التهديد باستئناف العمليات العسكرية في المنطقة، بهدف السيطرة الكاملة على المناطق المتاخمة لحدودها، بحجّة محاربة وحدات حماية الشعب، وهي رسالةٌ أميركية بالدرجة الأولى لحليفتها الاستراتيجية وشريكتها في حلف الناتو.

خاصةً أن البيان الذي تُلي في المؤتمر، لم يتطرّق إلى الصراع مع تركيا، والهدف إرسال رسائل طمأنة لتركيا التي لا تكفّ عن التهديد وبات نطاق عملياتها العسكرية ممتداً لكردستان العراق، بغية تخفيف الضغط الداخلي على حكومة العدالة والتنمية التي تواجه ملفات داخلية معقّدة ومتشابكة، وهي عادةً ما تلجأ لتصدير المشاكل إلى خارج الحدود في ليبيا، سوريا وكردستان العراق.

أيضاً يأتي البيان، في وقتٍ تتحرّك فيه روسيا ضمن المنطقة بهدف الانتشار والتوسّع، بعد أن فتحت لها العملية العسكرية التركية الأخيرة الباب للدخول إلى المنطقة برفقة قوات النظام السوري، وحاولت مراراً أن تجذب الكرد نحو دمشق لإجراء حوارٍ مع النظام، وسحبِ البساط من تحت واشنطن، وما حضور “وليام روباك” وتأكيد البيان على الحضور الأميركي القوي في الحوارات، إلا رسالةً من واشنطن لموسكو بأنها حاضرة ومتحكّمة في المنطقة على الصعيد السياسي، عدا عن الحضور العسكري الذي تسعى واشنطن لترميمه كي يتعدّى قطع الطرقات أمام دوريات الروس في أرياف المنطقة.

فبالتزامن مع عملياتٍ عسكرية مشتركة للتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية ضد خلايا تنظيم داعش في أرياف دير الزور والحسكة، تحاول الولايات المتحدة أن تثبت أنها ماضية في مشروعها لتأسيس منطقة نفوذ مستقرّة،  لتبقى بذلك حاضرةً بقوة في المسار السياسي السوري.

ولا شكّ أن للطرفين الكُرديين أيضاً هدفٌ من البيان، وهو توجيه رسائل داخلية سواءاً للشعب الكردي، الذي أُحبِط وتضاءلت مساحة الأمل لديه من أيِّ توافقِ كُردي كُردي بعد عدة اتفاقات سابقة لم ترَ طريقها للتطبيق، كذلك الهجمات التركية المتكررة على عفرين، سري كانييه وتل أبيض، أو حتى  توجيه رسالة طمأنة لباقي المكوّنات، مفادها أن هناك مراحل ستعقب الوصول لاتفاق نهائي كردي-كردي بهدف إشراك باقي المكونات، سواءاً من شركاء المجلس الوطني الكردي في المعارضة السورية أو شركاء أحزاب الوحدة الوطنية الكردية في الإدارة الذاتية.

ضمانُ مصالح المكونات.. ضمانٌ لاستقرار المنطقة

يؤكّد مسؤولون من طرفي الحوار الكُردي-الكُردي على أن مشروع الحوار هو تأسيسٌ لمراحل قادمة ستضم إليها كل المكونات، وهنالك آراءٌ متفائلة تأمل بأن يكون هذا الحوار تاسيساً لأرضيةٍ ملائمة، تهدف لهيكلة المعارضة السورية، بحيث تتحرّر- ولو نسبياً- من تحكّم القوى الإقليمية وتغدو معبّرة أكثر عن الشارع السوري.

فالقاعدة التي لا يجب تجاوزها في أي حوارٍ كُردي- كُردي، هي مصالح باقي المكوّنات وسُبل إشراكها بشكلٍ عادل  في حُكم المنطقة التي ستتجه نحو صراعاتٍ جديدة عرقية إذا تم إقصائها، وهذا يعني استمراراً للأزمة وخلق أزمات جديدة قد تفتح الباب أمام خصوم الكرد وخصوم الولايات المتحدة، للتحرك بأريحية في المنطقة،  مع استمرار  روسيا عقد اجتماعاتها مع زعماء العشائر العربية في المنطقة، خاصةً الزعامات المقربة من النظام. 

إدارةٌ جديدة تتطلّب أدوات جديدة للعمل

الظروف التي مرّت ولاتزال تمرّ بها المنطقة، فضلاً عن الضغوط الأميركية، دفعت الطرفين الكرديين المتخاصِمين منذ سنوات، للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن لا يعني أن أيّ اتفاقٍ بينهما سيُكتب له النجاح، مالم يكن هناك مراجعات فعلية لعملهما خلال سنواتٍ خَلَت. 

فهذا الاتفاق ليس الأول من نوعه، فسبق للطرفين ووقعا معاً اتفاقية دهوك المُشارة  إليها في البيان، والتي كانت ستجنّب المنطقة صراعات في حال تطبيقها والعمل بها في  ذلك الوقت.  

إذ يستوجب الظرف الجديد والمُعقّد، تغييراً جذرياً في سياسات الطرفين وأدوات عملهما السياسي، فالتصلّب في مواقف بعض التيارات على ضفة الاتحاد الديمقراطي وطرحها آليات إدارة ومفهوم عقد اجتماعي ملزم، وتجربة مؤسسات ذات طابع إيديولوجي، لا يدخل في إطار مصالح المنطقة ومكوناتها.

بالمقابل؛ فإن تشذيب الهيئات والمؤسسات وتطعيمها بالخبرات والتكنوقراط، أمرٌ لا مهرب منه، إذا ما أردنا أن تتكلّل الجهود بنجاحاتٍ على كل المستويات.

كما بات لِزاماً على المجلس الوطني مراجعة سياسته، سواءاً على صعيد علاقاته مع المعارضة السورية وموقعه داخل الائتلاف أو على الصعيد الداخلي، وينبغي عليه مراجعة آليات اتخاذ القرار، وتطوير مؤسساته بما يناسب المرحلة المُقبلة، فلم تعد لغة البيانات والتنديد التي باتت صفة المجلس طوال السنوات الماضية تجدي نفعاً، بل بات التطبيق والتحرّك على الأرض، اعتماداً على الطاقات الشبابية وضخ دماء جديدة في مؤسساته، من أبرز متطلبات المرحلة.

قصارى القول، تدفع الظروف الإقليمية والدولية، كِلا الطرفين الكرديين نحو توافقٍ، يُعدّ نجاحه وضم باقي المكونات إليه ضمانةً لأمن واستقرار المنطقة ودفعٌ للقضية الكردية في سوريا، أما فشله؛ فيعني بداية مرحلةٍ جديدة من التشتت وحروبٍ جديدة ساحتها شوارع ومدن المنطقة. بالمقابل، يُحضّر النظام السوري ومن خلفه روسيا، لعلميةٍ عسكرية جديدة في إدلب السورية.

تلك التحركات تجعل من المشهد أكثر وضوحاً، ويبدو أنها كانت سبباً للاستعجال بالإعلان عن تفاهمٍ أولي بين الأطراف الكردية، بما فيها التركيز في بنود البيان على طمأنة تركيا بعدم ذكرها كخصم أو عدو ، وحسب قادة كرد سوريين، هناك طرحٌ أميركي يدعو بضرورة التعامل بالطرق الدبلوماسية مع المناطق التي تحتلها تركيا بعيداً عن الحل العسكري، وأن التوافق مع أنقرة أفضل من الصراع معها، وهي خطوةٌ من واشنطن بهدف إرضاء حليفيها الخصمين.

إغلاق