الكرسي المتحرك .. رفيق “طه” ووالدته في رحلة النزوح 

هيلين علي

قَبل الهجوم التركي على سري كانييه وأريافها بعامين اثنين، أُصيب الطفل “طه عبد الحي” بفايروس شلل الأطفال، وعندما بلغ عامه العاشر، كان قد مضى على مرضهِ ثلاثة أعوام، قبل أن يضطرّ مع إخوته ووالديه للنزوح إلى مخيمٍ بريف مدينة ديرك، تاركين خلفهم مدينتهم التي هوجمت من الجيش التركي وفصائل المعارضةِ السورية التابعة له، ومنزلهم الذي دُمّر جراء غارةٍ جويّة من الطيران التركي.

«النّزوح الذي ترافق مع خسارة المنزل، كانت الخسارة الأولى والأقسى لـ “طه” وإخوته، منذ بدء العملية العسكرية، أما الخسارة الثانية؛ فكانت فقدان الشعور بالأمان»، تقول “خالدية طالب” /50 عاماً/ والدة الطفل. 

 تسبّبت هجمات الجيش التركي على مناطق شمال شرقي سوريا، بتهجير الآلاف من أهالي مدينتي سري كانييه وتل أبيض/كري سبي المحتلتين.

 بين المُهجّرين، آلاف الأطفال الذين لم يعرفوا سوى مآسي النّزوح ونقص إمكانية الحصول على الخدمات الحيوية، وفقدان الأمنِ والسلام، إضافةً لتدنّي مستوى تعليمهم، هذا في حال حصولهم عليه.

لم يمنع المرض والخسارات “طه” الذي يتنقّل على كرسيٍ مُتحرّك، من إتمامِ دراستهِ الابتدائية مع أطفال “مخيم نوروز”، وبفضلِ تشجيع والدته بضرورة الالتزام بالدوام المدرسي «حتى في أصعب الظروف»، تمكّن الطفل “طه” من التّفوّق في دراسته، إلا أنّ وضعه الصحي  بدا يسوء شيئاً فشيئاً مع تردّي الوضع المعيشي للعائلة، التي لم يعد بمقدورها تأمين الأدوية الضرورية لحالته، خاصةً بعد توقّف عدة منظمات عن تقديم المستلزمات الضرورية لهم، واقتصارُ رعايتهِ على مراكز الهلال الأحمر الكردي، التي تعاني هي الأخرى من نقصٍ في الُمعدّات والأدوية الضرورية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

«ها هو الكرسي المُتحرّك قد صار رفيقنا في رحلات النزوح، لم أتصوّر يوماً بأنّه سيأتي معنا إلى هذا المكان» تقول والدة “طه” لـ مجلة (شار) وهي تحاول سرد قصة طفلها الذي أنهك المرض والنزوح جسده وعائلته. 

تصوير: هيلين علي
تصوير: هيلين علي

«أُصيب “طه” بشللٍ نصفي جراء حُمّى لم يتحمّلها جسده وهو في السابعة من عمره، فَقَدَ على إثرها القدرة على المشي بشكلٍ كامل، لكن كان هناك أملٌ بأن يتحسّن مع متابعة العلاج والأجهزة الطبية المستمرّة وإرشادات الأطباء الذين أخبروني بأنّ طفلي ذكي واستيعابه أكبر من عمره، إلا أنّ ظروف الحرب حالت دون توفّر فُرص معالجته». تقول “خالدية”.  

وتُضيف وهي تتذكّر الحالة الصحيّة لطفلها والمصاعب التي تعرضوا لها أُثناء الفرار من جرائم الاحتلال التركي والفصائل المتشددة التابعة له: «كانت القنابل تسقط على سري كانييه، دون أن نعرف من أين تأتي، لم نستطع الصمود في وجهِ الطيران، خرجنا من المدينة تحت نيران القذائف والطائرات الحربية سيراً على الأقدام ونحن نتناوب على حَملِ “طه” فوق أكتافنا، إلى أن وصلنا لإحدى النقاط التابعة لقوات الأمن الداخلي، ومن هناك انتقلنا عدة مرات لأماكن مُتفرّقة في قامشلو، إلى أن حطّت رحالنا في مخيم “نوروز”». 

وتضيف: «الطريق إلى الأمام، ولا سيما إن كان معك طفلٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان مليئاً بالصعوبات والمخاطر، لكن البقاء لم يكن مُمكناً، خاصةً بعد أن استهدفت غارةٌ من سلاح الجو التركي، منزلنا عَقِب خروجنا منه، الأمر في غاية الصعوبة والأسى عندما يرى المرء مدينته ومنزله يتعرّضان للتدمير أمام عينيه وهو عاجزٌ عن فعلِ أيّ شيء». 

يُقيم “طه” مع أفراد أسرته، منذ أكتوبر تشرين الأول من عام 2019 الماضي، في مخيم “نوروز” قرب مدينة ديرك، يعيلهم والدهم /50/ عاماً،  الذي يعمل عتّالاً بأجرةٍ يومية، لا تتجاوز 3000 ليرة سورية، ولا يكاد عمله المُتقطّع والمعونات التي يحصل عليها، تسدّ جُزءاً يسيراً من مصروف واحتياجات عائلته، لا سيما بعد انهيار قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مترافقاً مع ازديادٍ حاد لأسعار المواد الغذائية.

وتؤكّد “خالدية طالب” أنّ طفلها «بحاجةٍ لعمليةٍ جراحية لقدميه، وتلزمه أجهزةٌ طبية وجلسات علاج فيزيائي ووظيفي يتلقّاه في دمشق»، وكل ذلك بتكلفةٍ عاليةٍ جداً ليس بمقدورهم توفيرها.

تصوير: هيلين علي
تصوير: هيلين علي

«ليس مُهمّاً ما أعانيه من مشقّة النزوح والعيش تحت خيم الحرمان، خيم المرض والفقر، بقدر ما تهمُّني حالة ابني الذي أُصيب بشللٍ في ساقيهِ وعَجِزنا عن تأمين نفقات علاجه الباهظة، فكيف يمكن أن أشعر بالسعادة وأنا أراه يختلف عن أقرانه، وهو يتحسّر على المشي والركض مع باقي الأطفال الآخرين، لستُ مُستسلمةً، وما زلتُ مُتعلّقة بالأمل؛ عسى أن يجعل الله لنا مخرجاً من أزمتنا هذه، فكلّ ما أتمناه هو علاج طفلي» تقول “خالدية” وهي تمسحُ وقْبَي عينيها بمنديلٍ كانت بيديها. 

وعلاوةً على ما تحتاجه عائلة “طه” من مساعدة، غير أنّها كحالِ آلاف العائلات الأخرى من نازحي مدينة سري كانييه وكري سبي المحتلتين، يعيشون ظروفاً معيشية صعبة في المخيمات ومراكز الإيواء داخل مناطق شمال وشرق سوريا، لا تكاد تحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء.

تمضي الحرب وتترك وراءها الضحايا، إلا أنّ آثارها تبدو أكثر شدّة بالنسبة للأطفال، خاصةً ممن يعانون من المرض، عدا عن كونهم فقدوا بلداتهم وأماكن لعبهم الأولى، فهُم لا يفهمون عالم الكبار القساة. 

تبدو الأحلام شبه بعيدة عن الأطفال، لكنها ليست مستحيلة، قلتُ ذلك في قرارة نفسي، وأنا أدير ظهري لمخيم نوروز، وجلّ تفكيري بالطفل “طه” على أمل أن يظفر بعلاجٍ يمنحه القدرة على المشي مُجدّداً، ويغادر طفولته إلى مستقبلٍ يصنعه مع أقرانه.

إغلاق