قانون الإعلام الجديد وتركة خمس سنوات ثقيلة

كانت مراسلةُ إحدى الإذاعات المحلية المرخّصة في مدينة قامشلي/ شمال شرقي سوريا، تغطي إضراباً لأصحاب بسطات “سوق الخضار” في المدينة – احتجاجاً على تغيير مكان عملهم- حين تفاجأت بموظفة تعمل في ضابطة البلدية، تطالبها بهاتفها النقال الذي كانت قد التقطت منه بعض الصور، ثم ما لبثت أن وجدت نفسها في مبنى البلدية محاطةً بنساء أمن وموظفات البلدية، بعد اعتراضها على طريقة التعامل معها وهي تؤدّي واجبها الإعلامي وتحمل مهمة مرخّصة من مكتب الإعلام ومن قوى الأمن الداخلي.

عديدةٌ هي التجاوزات التي حدثت وتحدث بحق العاملين في سلك  الإعلام في شمال وشرق سوريا، وهذا غيضٌ من فيض مما يصحّ أن   يقال عنه إنه من مخرجات قانون الإعلام( المشلول) الذي تمت المصادقة عليه في المجلس التشريعي لمقاطعة قامشلو(الجزيرة آنذاك)، كأول قانون ناظم للعمل الإعلامي عام 2015.

فذلك القانون عاش مرحلتين؛ أولها أنه لم يطبّق إلا جزءٌ يسيرٌ منه، وثانيها أنه طبّق بشكل خاطئ في أغلب مراحله بعد تصديقه وإصداره ونشره.

وفي معرض الحديث عن قانونٍ جديد للإعلام، يتم التحضير له في مكتب الإعلام في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وعقد الاجتماعات المختلفة لتكوينه وإقراره، فإنه من المأمول أن يتجاوز أخطاء ما عاشته الحياة الإعلامية بسنينها الخمس، وأن يتجاوز العقبات التي اعترضت تطبيق القانون القديم.

فلا يجوز قانوناً، أن يلغي قرارٌ إداريّ قانوناً مسنوناً ومعمولاً به، ولا يجوز أن يعرقل تعميمٌ صادر من جهة إدارية، قانوناً مرّ بكل مراحل التشريع وتمت المصادقة عليه من قبل المجلس التشريعي الذي يملك مهام الرقابة والتشريع لوحده.

ويدخل في كنه هذا الباب، مسألة إيقاف الإعلاميين أو الصحفيين عن العمل الإعلامي، لأسباب لا توجد في قانون الإعلام، بل الأكثر من ذلك أن يتم وقف مراسلي المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية عن العمل لمدة معلومة بقرار غير معلّل، صادر عن مكتب الإعلام في شمال وشرق سوريا، دون ذكر المخالفات التي ارتكبوها بشكلٍ واضح، وهذا ما لا يتفق إطلاقاً مع الشروط القانونية الواجب توافرها في أي قرارٍ إداري صحيح؛ وهو أن يكون معلّلاً بشكلٍ لا لبْس فيه.

ولا ينفي هذا، ارتكاب بعض الإعلاميين لأخطاء مهنية بالجملة، لكن مسار محاسبتهم وتصحيح هذه الأخطاء ينبغي أن يكون القضاء، إذا ما أثّرت هذه الأخطاء على أمن المقاطعة وسياستها الخارجية أو تناولت خصوصيات الأفراد، في ظل عدم وجود هيئة أو وزارة للإعلام، وفي ظل عدم وجود نقابة مستقلة خاصة بالصحفيين.

ما فعله المسؤولون عن قطاع الإعلام في شمال وشرق سوريا وروجآفا أنهم قطعوا الطريق لوصول قضايا إعلامية للقضاء، ولم تسجّل محاكم الشعب أية قضايا ناتجة عن الإعلام؛ ما يجعل القانون يتعطّل تماماً، بالإضافة لغياب ثقافة التقاضي، الضرورية لجعل العلاقة بين الإعلام والمجتمع علاقة مؤثرة ومتأثرة.

وتأتي مسألة تضارب الرُخَص والمهمات الإعلامية، لتشكِّل عائقاً كبيراً أمام العمل الإعلامي في المنطقة، فمن جهة مكتب الإعلام (وهو السلطة الرسمية)، ومن جهة اتحاد الإعلام الحر(وهو اتحاد يضم صحفيين يعنى بشؤون العاملين في المؤسسات الإعلامية ويتبع لحركة المجتمع الديمقراطي) وسابقاً المجلس الأعلى للإعلام قبل أن يتم إلغاؤه، كلهم كانوا يملكون سلطة منح التراخيص للصحفيين العاملين في المنطقة، وبات حتمياً ضرورة معالجة هذا التضارب.

إلى جانب ذلك هناك مهمات خاصة تصدرها قوى الأمن الداخلي من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهةٍ أخرى، وهذا طبيعي ومقبول ومعمول به في أغلب الدول التي تعيش حروباً، و خاصة في ظل مكافحة الإرهاب ووجود خلايا نائمة لتنظيم “داعش” في مناطق شرق الفرات. 

المصدر: اتحاد الإعلام الحر
المصدر: اتحاد الإعلام الحر

بالعودة لقانون الإعلام الذي أقرّه المجلس التشريعي أواخر العام 2015، والمقتبس في أكثريته من قانون الإعلام السوري، والذي يحوي مواد قانونية تحمي حرية وحقوق الصحفيين وحقوق الملكية الفكرية ( المادة 2 فقرة ب/3) وحق البحث عن المعلومات والحصول عليها (المادة 5 فقرة أ) والحظر على أية جهة فرض قيود تعوق حرية  تدفق المعلومات ( مادة 7 ). 

تجدر الإشارة إلى أنه لم يتم الحديث وقتها عن لائحة تنفيذية لتطبيق القانون، ما يجعل الأمر أمام احتمالين؛ فإما إنه لم تتم صياغة اللوائح التنفيذية، أو إنها صيغت لكنها بقيت حبيسة أدراج المجلس الأعلى للإعلام.

المجلس الذي ألزمه القانون في الفقرة 1 من المادة 10 على انتخاب 15 عضواً من (الاتحادات والنقابات) والمؤسسات الإعلامية العاملة في مقاطعة الجزيرة (آنذاك) مع تمثيل المكونات لمدة سنتين؛ لم يحدث على الإطلاق، واقتصر المشهد آنذاك على رئيس المجلس وعدد قليل من الأعضاء.

لكن القانون يحوي أيضاً على مواد تعبِّر عن الرؤية العامة للسياسة الإعلامية وأهدافها عند المعنيين؛ مثال ذلك: البند 4 من الفقرة ب في المادة الثانية منه الذي ينص على: «عدم التعرّض للحياة الخاصة للمواطنين والمسلك الشخصي للشخصيات العامة؛ ما لم يكن ذات صلة بأعمالهم». وهذا يفتح مجالاً للتساؤل: هل هؤلاء الشخصيات العامة مقدّسون أم هم آلهة لا يجب الاقتراب من حيواتهم؟ 

ثم إن مصطلح “شخصية عامة” فضفاض وغير محدّد، عدا عن أنه لا يطبق على السياسيين أو العسكريين أو الأمنيين فقط؛ بل إن الفنانين والأدباء والكتّاب ورجال الأعمال أيضاً يعتبرون شخصيات عامة كلُ بمجاله.

هذه المادة تجعل- مثلاً – إنتاج برامج حوارية من نوع “حوار الشخصية” أمراً مستحيلاً، ما يعني حرمان الجمهور من التعرّف على هذه الشخصيات العامة التي يتابعونها.

ثم هل من الممكن الوصول لمجتمع ديمقراطي(المصطلح الذي جاء في مقدمة قانون الإعلام لعام 2015) ، دون فسح المجال أمام الإعلام أو الميديا لأخذ دوره كاملاً دون المساس بحرية الإعلاميين وفرض صيغة عمل واحدة على  الوسائل الإعلامية؟

عدم تأطير دور الإعلام وحصره في نقل الأخبار فقط، و إتاحة الفرصة لأخذ دوره كاملاً في طريق الاعتراف به كسلطة رابعة فعلية، يجعل السعي نحو الانفتاح الإعلامي؛ بمعنى أن يكون هناك متسع من هامش الحرية لإنتاج قوالب صحفية وإعلامية متنوّعة كما يحدث في مصر ولبنان وغيرها من الدول، ضرورة ملحّة في القانون الجديد.

هذا كلّه؛ يجعل تغيير الرؤية العامة للحياة الإعلامية في مسعى سنّ قانون جديد للإعلام واقعاً ممكناً، بحيث أنه بات يؤثّر بشكلٍ أكبر في تطوير المجتمعات ووضعها في المكان الصحيح، في عهد باتت الحريات فيه أمور بدهية لا مطلبية.

مكتب الإعلام لشمال وشرق سوريا أمام تحديات ليست سهلة، في ظل الظروف السياسية والعسكرية المعقّدة التي تمرّ بها المنطقة بعد الاحتلال التركي لمناطق في شرق الفرات؛ ومبعث هذا الكلام هو ضرورة التفكير جدياً في إتاحة الفرصة كاملة لخلق خطاب إعلامي محلّي يواجه الهجمات الإعلامية التي تقف وراءها تركيا والمعارضة المسلّحة من جهة والنظام السوري ومؤسساته من جهةٍ أخرى.

إغلاق