قانون الإعلام الجديد وشروط الحرية والحماية

تدورُ النّقاشات اليوم بين مؤسّسات الإدارة الذاتيّة واتّحاد الإعلام الحُر، بالإضافة إلى بعض الإعلاميين المستقلّين، حول قانونٍ جديدٍ للإعلام يستبدل القانون السابق الصادر عام 2015، على أمل أن يُحسّن القانون الجديد من مستوى حرية الإعلام في مناطق شمال وشرقي سوريا. 

بطبيعة الحال، تهدف قوانين الإعلام، ككل القوانين الأخرى، إلى فرضِ قيودٍ على حرية الرأي والتعبير؛ لغاياتٍ تختلف في جوهرها بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، وتختلف بالتالي الوظيفة التي تؤدّيها تلك القيود: فإما أن تكون القوانين أداةً لحماية المواطنين، أو أن توظَّف كأداةٍ لحماية السلطة والمسؤولين والأحزاب من الرقابة الشرعية التي يفترض أن يمارسها الشعب عليهم.

للمساهمة في هذا النقاش، قد يكون من المفيد العودة إلى نماذجِ الدول الديمقراطية في تنظيمِ حُريّة الإعلام، والتي من المؤكّد أنها ستكون أكثر حساسيةً تجاه نوعية وشدّة القيود المفروضة على هذا القطاع من النماذج المقابلة في الدول الديكتاتورية، أو ذات الديمقراطية المحدودة. كما سيكون من المفيد إجراء بعض المقارنات بين القيود المختلفة التي تضعها الدول الأوروبية وأميركا على حريّة الإعلام من أجل الاطلاع على السياقات التي تستدعي مثل هذه القيود.

من الناحيةٍ الإجرائية، تتّفقُ جميعُ الدول الديمقراطية على عدمِ تقييدِ حرية العمل الإعلامي بالموافقات المُسبقة. مثلاً، لا تخضعُ وسائلُ الإعلام في فرنسا لشرط الحصول على موافقةٍ مُسبقة قبل البدء بعملها، باستثناء تخصيص موجات الإذاعة والتلفزيون الأرضي (وهو تقييدٌ تقنيٌ بسبب محدودية نطاق موجات البث). 

ينصّ قانون حرية الإعلام الفرنسي في مادتهِ الأولى، على أن أعمال الطباعة والمكتبات حرّة، وتؤكّد المادة الخامسة منه، على أن جميع الصّحف والمطبوعات الدورية، يمكن لها أن تنشر دون إعلان أو موافقة مسبقة ودون إيداع مبلغ التأمين. 

كما تحدّد المادة الثانية من هذا القانون، تعريف الصحفي؛ بأنه كل من يعمل بشكلٍ منتظم ومقابل أجر في وسيلة إعلامية أو أكثر على جمع المعلومات ونشرها للجمهور. يهدف القانون من خلال التأكيد على هذه الحريات مجدداً، بعد التأكيد عليها في الدستور، إلى القول إن الأصل فيه، هو حماية حرية الإعلام، وإن ما يلي تلك المواد من عقوبات تُفرَض على الصحفيين ووسائل الإعلام؛ إنما هي الاستثناء اللازم للحماية ضد الأضرار التي يمكن أن يتسبّب بها سوء استخدام هذه الحرية.

تتّفق الدول الديمقراطية أيضاً على أن الرقابة على محتوى وسائل الإعلام، فيما لو تمّت، يجب أن تكون لاحقة للنشر وليست سابقة له، أي أن مؤسسات الدولة لا تملك السلطة للاطلاع على المواد الصحفية قبل نشرها، ولا تعديلها أو حذفها قبل النشر، وهي رقابة على البعض القليل مما لا يجب أن تقوله وسائل الإعلام وليس على ما عليها قوله، أي أنها تُجرّم وسائل الإعلام فيما لو أقدمت على نشر أفكار ومصطلحات بعينها، وليس فيما لو لم تنشر أفكاراً ومصطلحات محددة. 

كما تتّفق تلك الدول على فرض عقوبات (سواء مباشرة عبر قانون الإعلام، أو غير مباشرة عبر قانون العقوبات) بشكلٍ أساسي على الجهات التي تُحرّض على ارتكابِ الجرائم والجُنَحْ، أو تُشهّر بالمواطنين أو المسؤولين أو بالمؤسسات العامة والخاصة. 

إلا أن الخلاف، يظهر بين هذه الدول (أوروبا من جهة وأميركا من جهة أخرى) حول الرقابة اللاحقة على خطابِ الكراهية في المحتوى الإعلامي. فمن جهة، تفرض القوانين الأوروبية عقوبات على وسائل الإعلام التي تنشر خطاباً تمييزاً ضد أفراد أو مجموعات بسبب انتمائهم أو عدم انتمائهم لمجموعةٍ ما على أساس العرق أو الدين.. إلخ، في حين تتجنّب الولايات المتحدة فرض مثل هذه القوانين بحجة أنها قيود غير مبررة على حرية الرأي والتعبير.

تصوير: جيان حج يوسف

قد تفيد الاستفاضة قليلاً في هذا الاختلاف بين المقاربة الأوروبية والأميركية تجاه تجريم خطاب الكراهية في تسليط المزيد من الضوء على السياقات التي تُبرّر تقييد حرية الإعلام في كلٍّ منها. 

تنطلق المقاربة الأوروبية في تجريم خطاب الكراهية من خشيتها أنه قد يسبّب العنف ضد بعض الفئات السكانية، من جهة لأنه كان قد تسبّب بالفعل بمآسي كبيرة قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية لليهود والغجر، ومن جهةٍ ثانية لأن المجتمعات الأوروبية هي مجتمعات متجانسة إلى حدٍّ كبير ولا تملك الأقلّيات فيها القدرة البشرية والمادية للدفاع عن نفسها، وبالتالي ردع الاعتداءات التي يُحتمَل أن ينتجها خطاب الكراهية الموجه ضدها. 

أما المقاربةُ الأميركية، فتنطلق من أن خطاب الكراهية هو في الأصل مجرّد كلمات، وبالتالي يندرج ضمن إطار حرية التعبير عن الرأي المضمونة بموجبِ التعديل الأول على الدستور الأميركي، ولا يُجرّم القانون الأميركي أي خطابٍ لا يمكن إثبات أنه أدى، وبشكلٍ صريح ومباشر، إلى أعمال عنف فعلية. 

هذه الثقة الأميركية بعدم قدرة خطاب الكراهية على ترجمة الكلمات إلى أفعال، مَرَدّه التنوّع الكبير للمجتمع الأميركي والكتلة الكبيرة للأقليات فيه من جهة، ومن جهة أخرى حرية حمل السلاح المضمونة بموجب التعديل الثاني على الدستور الأميركي، أي أن الأقليات المعرّضة لخطاب الكراهية في أميركا، تملك القدرة البشرية والمادية للدفاع عن نفسها ضد النتائج المُحتَمَلة لخطاب الكراهية، وبالتالي ردعُ المتطرّفين عن التفكير بالإقدام على هكذا اعتداءات.

إذاً، لا تُقيّد الدول الديمقراطية حرية الإعلام من حيث المبدأ وتعتبرها الأصل والقاعدة الأساس لتعامُل السلطة معها، فيما تعتبر القانون الناظم لهذه الحرية، هو الاستثناء الذي يتضمّن على سبيل الحصر، الحالات التي لا يمكن فيها تفادي ضررٍّ كبير ومباشَر يطال الآخرين جراء ممارسة حرية الإعلام، أضف أن هذه الاستثناءات التي سُنّت بقانونٍ صادرٍ عن برلمانٍ مُنتَخَب، إنما جاءت نتيجة نقاشاتٍ طويلة مع قِطَاعات واسعة من الفئات ذات الصلة من الخبراء القانونيين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني، سمحت لها بالاستفادة من تجاربهم وآرائهم، وكذلك من تجارب الدول الأخرى. 

بالمقابل، وفيما يكتب للإدارة الذاتية أنها السلطة الوحيدة في سوريا التي لا تفرض رقابة سابقة على الإعلام، كما أن سجّلها في تحمّل الصحفيين، تطوّر بشكلٍ ملحوظ خلال فترةٍ قياسية، وبات الأنظف مقارنةً مع دول المنطقة (وليس في سوريا وحدها)، فإن منح الإدارة الذاتية نفسها الحق في إجبار الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على الحصول على الموافقة المسبقة لممارسة حقهم المنصوص عليه في العقد الاجتماعي، يجعل من حرية الإعلام فيها هو الاستثناء، والذي حتى وإن كثر منحه، فإنه يبقى استثناءً.

تملك اليوم الإدارة الذاتية خيار إصدار قانون يحمي حرية الإعلام كما يحمي المجتمع نفسه من إساءة استخدام هذه الحرية، ولكنها تحتاج لتحقيق ذلك أن تكون أكثر انفتاحاً على الآخرين وأن توظِّف كل الإمكانات المتاحة في المنطقة للخروج بقانونٍ متوازن، يحقّق حاجتي الحرية والحماية معاً، وهذا بطبيعة الحال قبل الانتقال إلى حلّ المشاكل المتعلقة بتطبيق القانون أصلاً، فالأسوأ من القانون السيء هو عدم تطبيقه.

إغلاق