واقع الكهرباء في مناطق (روج آفا) بين التّقنين ورحمة المولّدات

تمرّ مناطق (روج آفا) بفتراتٍ عصيبة ومضطربة بما يتعلّق بالتغذية الكهربائية، بعد أن ازدادت عدد ساعات التقنين، تزامناً مع أجواء الصيف الحارة، واقعٌ يومي تأقلم معه الأهالي الذين تبدّدت آمالهم في التّخلّص من كابوس مولدات توليد التيار الكهربائي (الآمبيرات) التي صارت بديلاً مفروضاً لا يخلُ من المتاعب والمشاكل.

وبالعودة إلى ما قبل عام 2011، فإن مناطق (روج آفا) بشكلٍ خاص وسوريا عموماً، قلّما كانت تشهد انقطاع التيار الكهربائي، وذلك لتنوّع مصادر توليد الطاقة، من (المحطات الغازية والبخارية، الدارات المُركّبة والسدود المائية). 

كل هذه المنشآت، كانت تُربط ببعضها عبر شبكات نقل توتر عالي (230- 400 كيلو فولت) وتوزّع على كامل أنحاء البلاد، لكن بعد عام 2012 ومع دخول الجماعات المسلّحة، باتت مناطق (روج آفا) معزولةً عن باقي المدن السوريّة من حيث التغذية الكهربائية.

«كان يصل إلى محافظة الحسكة نحو 4 خطوط توتر عالي (230 كيلو فولت) من خط دير الزور- الحسكة وسد تشرين- مبروكة،  وخط الرقة- الحسكة، لكن تعرّضت كل تلك الشبكات  للتخريب والتدمير على يد الجماعات المُسلّحة». بحسب مدير عام كهرباء إقليم الجزيرة “أكرم سليمان”.

وقال في حديثٍ لـ مجلة (شار): «صار الاعتماد الأساسي في توريد الطاقة الكهربائية على منشأة السويدية، التي كانت تعتمد آنذاك على تشغيل 4 عنفات غازية فقط، باستطاعةٍ وسطية إجمالية 80/100 ميغا واط ساعي فقط».

ويُضيف: «بعد تحرير قوات سوريا الديمقراطية سد تشرين وسد الطبقة وسد الحرية، قمنا بتوصيل خطوط نقل الطاقة الكهربائية بين سد تشرين ومحطة تحويل مبروكة وكذلك سد الطبقة ومحطة البواب بالقرب من مدينة الحسكة».

تصوير: فنصة تمّو
تصوير: فنصة تمّو

مصادر التّغذية الرئيسة 

تُعدّ السدود الثلاثة (تشرين- روج آفا، الطبقة، وسد الحرية- البعث) الشريان الأساسي لتوريد الطاقة الكهربائية لمدن وبلدات (روج آفا)، «ويصل إجمالي توليد السدود نحو (300 ميغا واط ساعي) لمدة 12 ساعة في الوقت الراهن، نظراً لانخفاض منسوب المياه في مستويات البحيرات المتشكلة خلف السدود المذكورة آنفاً، ويصل إقليم الجزيرة حوالي (90 ميغا واط ساعي) لمدة 12 ساعة» يُضيف “سليمان”.

ويوضّح، أن هذه الكمية «توزّع على مدن وبلدات إقليم الجزيرة، وفق حصص مختلفة، فحصّة مدينة قامشلو من الطاقة الكهربائية الواردة من سد الطبقة نحو 30 ميغا واط ساعي، مدينة عامودا 6 ميغا واط ساعي، مدينة ديرك نحو 9 ميغا. حسب الإمكانيات المتوفرة من الطاقة الكهربائية».

وحول واقع السدود الثلاثة، قال “سليمان”: «توجد في سد تشرين 4 عنفات جميعها في الخدمة وبحالة فنية جيدة، أما سد الطبقة فتوجد 4 عنفات وسد الحرية عنفتان، استطاعة العنفة الواحدة في سدي تشرين والطبقة 105 ميغا واط، أما عنفات سد الحرية؛ فاستطاعتها 25 ميغا واط فقط، لصغرِ حجمها».

وبخصوص منشأة توليد السويدية، فيقول مدير عام كهرباء إقليم الجزيرة: «يغطي إنتاج منشأة السويدية جزءاً صغيراً فقط من أحمال إقليم الجزيرة، توجدي في الوقت الحالي ثلاث عنفات، جميعها في الخدمة وسطياً لا تصل استطاعتها  إلى 60 ميغا واط، حيث تُغذّي مدن وبلدات غربي مدينة قامشلو وجزء من المدينة».

حلولٌ بديلة

ومع الانعدام شبه التام للتيار الكهربائي خلال السنوات الأولى من الأزمة في البلاد، بدأت الإدارة الذاتية بين عامي (2013- 2014) من خلال اللجان الخدمية ضمن البلديات، بتوزيع عدد من المولدات الكهربائية ذوات الاستطاعة الكبيرة في بعض الأحياء ضمن المدن الرئيسة؛ لإمداد من يرغب من الأهالي بالتيار الكهربائي لقاء اشتراكٍ شهري تراوح في البداية ما بين  (800- 900) ليرة سورية للأمبير الواحد، لتتوجه فيما بعد إلى الاعتماد على المولدات الأهلية (التجارية). 

«تتوزّع ضمن أحياء المدينة نحو 500 مولدة كهربائية “ديزل” وجمعيها تعود لمستثمرين من الأهالي» تقول “عزيزة جلال” الإدارية في مكتب المولدات ببلدية قامشلو، مشيرةً في حديثٍ لـ مجلة (شار) إلى أن تلك المولدات  «ساهمت في تأمين التيار الكهربائي بشكلٍ جزئي للأهالي».

 أعباءٌ إضافية

«لم نكن نفكر بالبحث عن مصادر بديلة عن الكهرباء الحكومية، فنادراً ما كانت المدينة تشهد انقطاعاً للتيار الكهربائي» يقول “عبد الله حسين” من أهالي الحي الغربي بمدينة قامشلو الذي يعود بالذاكرة إلى قبل عام 2011. 

ويُضيف: «أدفع بداية كل شهر مبلغ 7200 ل.س لصاحب المولدة، ولكن اليوم ومع رفع سعر الأمبير يتوجب عليِّ دفع 12000 ل.س شهرياً». “حسين” الذي يعمل بالأجرة اليومية، يؤكّد لـ (شار) أن «الوضع بات سيئاً وليس بمقدورنا تحمُّل كل هذه الأعباء، فأحياناً أبقى دون عمل لأسبوع أو أكثر».

مع الارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار الأميركي أمام الليرة السورية، الذي انعكس على مختلف القطاعات في المنطقة، سارع أصحاب المولدات (المستثمرون) برفع سعر الاشتراك، ليصبح 2000 ليرة سورية للأمبير الواحد، ما تسبب بامتعاض الأهالي وازدياد شكواهم.

الارتفاع الكبير، كما يعتبره أبناء المدينة، لاشتراك مولدة توليد الطاقة الكهربائية، سيتسبب بخلق مشكلةٍ أكبر للسيدة المسنة “أم حميد” (اسم مستعار) من سكان حي الهلالية، إذ لن يكون بإمكانها بعد اليوم دفع قيمة اشتراك المولدة،  فهي تعيش على راتب زوجها التقاعدي وعلى المساعدات التي يتبرع بها بعض سكان الحي، تقول لـ (شار): «سأضطرّ إلى إلغاء الاشتراك، فبالكاد أستطيع تدبير أموري المعيشية». 

تصوير: فنصة تمّو
تصوير: فنصة تمّو

تكاليفٌ باهظة 

رغم معاناة الأهالي والشكاوى التي يتقدّمون بها، إلا أن أصحاب المولدات “المستثمرين” لديهم مبرراتهم أيضاً لرفع سعر الأمبير، فيقول “راكان كلش” وهو أحد المستثمرين: «نتكبد مبالغ كبيرة لقاء تصليح الأعطال التي تلحق بالمولدة، ناهيك عن تكاليف الوقود  والزيوت  ومواد التشحيم، إضافةً إلى قطع الغيار التي نعاني الأمرّين لتأمينها  في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي  نمر بها».

ويُشير خلال حديثه لـ مجلة (شار): «لدي ثلاث مولدات موزّعة في حييْ الكورنيش والهلالية، وقد رفعتُ سعر الأمبير تماشياً مع الظروف الاقتصادية التي نعيشها اليوم، وسنتعامل ضمن الظروف الحالية المتاحة». 

ووصف “كلش” التسعيرة الجديدة للأمبير بأنها «تعتبر مقبولة نوعاً ما بالنسبة للمستثمرين والمشتركين أيضاً، فالأسعار ليست ثابتة، وتحديدها  أصبح مرهوناً بسعر صرف الدولار».

مؤكّداً أنه «ليس هناك سعر ثابت، وقد نضطر في المستقبل إلى خفض السعر إذا انخفض سعر الدولار، وعلى العكس قد يرتفع مع ارتفاع جديد لسعر الدولار».

أما “عبد الكريم كوزي”  /مستثمر ولديه مولدتان في حي الهلالية/، فيرى أن تذمّر الأهالي يبدو مُبرراً، ويقول: «تم تحديد السعر الجديد مؤخراً في اجتماعٍ عقدته بلدية قامشلو ومجلس ناحية المدينة مع اللجان المسؤولة عن  المولدات ورؤساء الكومونات، والأمر مفروض على أصحاب المولدات، فنحن أيضاً نعاني من رفع الأسعار الذي انعكس على تكاليف إصلاح أعطال المولدة وسعر شراء مادة المازوت، إضافةً إلى أجور العمال والزيوت، والكثير من الناس يعتقدون أن هذه المهنة مربحة للغاية وأنها تدرّ علينا مبالغ كبيرة، لكن الحقيقة عكس ذلك».

وحول ما تردّد مؤخراً في بعض أحياء مدينة قامشلو حول نيّة بعض المستثمرين بإزالة مولداتهم، أوضحت الإدارية في مكتب المولدات في بلدية قامشلو “عزيزة جلال”، أنه «في حال رغب المستثمرون بذلك، عليهم الالتزام بعدة شروط، ومنها إيجاد بديل وإبلاغ الجهات المعنية بطلب الإزالة خلال مدة أقصاها 30 يوماً». 

تَبِعات العملية العسكرية التركية على مدن روج آفا 

«قبل الهجوم التركي على سري كانييه- رأس العين وكري سبي- تل أبيض،  في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 الفائت، كان يصل إقليم الجزيرة نحو 200 ميغا واط ساعي، عبر خطين توتر 230 كيلو فولت، أحدهما من سد تشرين، وآخر من سد الطبقة»، بحسب ما  أوضح مدير عام كهرباء إقليم الجزيرة “أكرم سليمان”.

مُشيراً إلى أن الجيش التركي والفصائل الموالية له «أتلفوا مكونات محطة تحويل مبروكة الاستراتيجي بالنسبة لإقليم الجزيرة، ما أدى إلى خروج خط التوتر العالي 230 كيلو فولت الواصل بين سد تشرين ومحطة تحويل مبروكة، لذلك يعتمد  إقليم الجزيرة  في الوقت الحالي على خط  توتر واحد فقط،  وهو الواصل بين سد الطبقة ومحطة البواب في ريف الحسكة». 

وتابع: «في الوقت الحالي، يصلنا وسطياً نحو 90 ميغاواط ساعي لمدة 12 ساعة فقط، لذلك نشاهد عمليات تقنين كبيرة في مدن وبلدات إقليم الجزيرة”.

تحدّياتٌ وصعوبات 

حدّد “سليمان” عدة صعوبات وتحدّيات تواجه قطاع الكهرباء، اختصرها بـ «عدم توفّر قطع تبديل العنفات وصيانة السدود في السوق المحلية والحاجة لشرائها من الشركات المُصنِّعة، إضافةً للتناقص التدريجي في الخبرات الوطنية من مهندسين وفنيين، ممن اضطروا للهجرة خارج البلاد؛ إما لأسبابٍ اقتصادية أو اجتماعية»، مشيراً إلى أن مؤسّسات الطاقة، «تعمل على تأهيل كوادر  بالاختصاصات ذاتها، لتعويض النقص».

كما لفت مدير عام كهرباء إقليم الجزيرة، إلى «عدم وجود محطات توليد طاقة استراتيجية تعتمد في عملها على الوقود الأحفوري سواء (الغاز، الفيول، الخام)».

قائلاً: «نحتاج إلى محطات توليد طاقة باستطاعاتٍ كبيرة، وهي لا توجد بهذا الشكل في شمال وشرق سوريا، بسبب ظروف الحصار المفروض على المنطقة، إضافةً إلى أن إنشاء هكذا محطات استراتيجية، يحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة وموافقات دولٍ إقليمية».

وأكّد “سليمان” في حديثه لـ مجلة (شار) على أن المنطقة «تمرّ بمرحلةٍ صعبة، بسبب انخفاض قياسي في مستويات المياه في بحيرات السدود (تشرين، الطبقة، وسد الحرية- البعث) في شمال شرق سوريا كما حدث في عام 2017».

 

إغلاق