فَنُّ القِراءة: هويّاتُ الأنا ومَرايا الآخَر

تَأخذُ رفقة ألبرتو مانغويل (1948) في أيٍّ من كُتبهِ التي تتّسمُ بالموسوعيّة؛ شَكل النُزهَة، وهو في كتابهِ (فنُّ القراءة) يُرشِدُ قارئهُ إلى مشهدٍ يَكتملُ بحضور القارئ، ليأخذه إلى جوهر القراءة، التي بدءاً من العنوان يعتبرها فنّاً، وفي المَتن نجدها تجربةً تُساعد القارئ على اكتشافِ ذاتهِ عن طريق ما يقرأ. ليكون فنُّ القراءة في واحدةٍ من التأويلات التي يمكن لنا استنتاجها -على ضوءِ دروس “مانغويل” هو فنّ الاقتراب من الذات، وتعريف الأنا، ما إنْ نطلقَ على “الأنا” الأسماء. 

واحدةٌ من الأساليب التي يَشدُّ عبرها “مانغويل” قارئهُ، عدا عن المعرفة وثراء وتنوّع المصادر، هي قدرتهُ على الإيحاء بالغِواية، كلماتهُ المُنسابَة التي تُحلل كلماتَ الآخرين، مَتاهاتهُ المُتقنة التي تُبدّد مَتاهات الآخرين؛ إذ يستندُ على نصوصِهم ليبني فكرتهُ عن القراءة ودورها في تكوين الفرد، في تحديد هويتهِ، فالكلماتُ التي نقرأها تدخل في تركيبنا. 

جزءٌ من غواية “مانغويل” في فهمهِ للقراءة، ذلك الالتباس الذي يَصنعه بمهارة مع الواقع، لأي نسندُ الآخر؟ أَنسدُ الإنسان إلى الكلمات؟ أم نُخرِج الكلمات منهُ، نرتبها ونصنعُ منها نصوصاً تُهيّأ خصوصية الإنسان بين الكائنات؟ أنسندُ العالم الواقعي الذي نعيشُ فيهِ إلى ذلك العالم الذي صنعتهُ العبقرية باستخدام الكلمات طوال الإرث الإنساني؟ أم نَعودُ بذلك المُتخيَّل، إلى تجاربِ الناس الحقيقية في الحبّ والمعارك؟ كُلّما حَدَس القارئ بالتقاطِ البداية في أبحاثِ “مانغويل”، يجيءُ ويخرب عليه هِدنتهُ، ليعود إلى بدايةٍ أعمق. 

لديهِ طريقتهُ في تركيب النظريات والخروج منها بما يتلاءم مع رؤيته المثاليّة حيال القراءة، التي في جوهرها، بالنسبة إليهِ، تغييرٌ في طبيعة الأشياء التي تنخلق وتوجد ما إن تُسمَّى ويُنادى عليها، ثمّ بتغيير اسمها تتغيّر طبيعتها، وهذه محاكاةٌ لرؤيةِ “كارل ماركس”(1818-1883): «تغييرُ الأشياء بتغييرِ أسمائها». 

يستندُ “مانغويل” في كتابهِ الصادر بترجمة “عباس المفرجي” عن دار المدى (2014) على عددٍ كبير من النصوص، بدءاً من الميثولوجيا إلى الإلياذة والأوديسة، عبوراً بتجربة العمى التي عُرف بها هوميروس، إذ إنّ عماه الذي حَجَبَ العالم الخارجي عنهُ، كشف عليهِ العالم الداخلي للبشر. كَشفَ عليهِ صِراعاتهم ونوازعهم، بذلك كان تصويرهُ للمعارك في الإلياذة تصويراً للخسارة التي تُلِّمُ بالمتحاربين، إلى جانب البطولة، وإيذاناً بنداءِ الحبّ والسلام. كذلك كان في تصويرهِ الضياع في الأوديسة، الدعوة نفسها، التي كان سقراط قد أطلقها وهي وجوب “معرفة الذات”. 

لا يَغيبُ عن “مانغويل” دور الكلمات في صناعة الأقدار، لا الأقدار الفردية وحسب؛ وإنّما أقدار الجماعات أيضاً. إذ يربط دور الكاتب بالبحث عن الكلمات الصادقة عبر تمجيد صرخة “الملك عارياً”، فجوهر الأدب، أن يجعل العالم إنسانياً. 

يَرى “مانغويل” في الكلماتِ الصادقة «مثابرةَ الحقيقة» مقابل «مثابرة الذاكرة» التي ترمي الآلام والمظالم في النّسيان. إنّها، بحسب “مانغويل”، تنادي العدالة. فالحروب التي تَظهرُ مجيدةً في عيون المنتصرين، يَحتاجُ المهزومون إلى أنْ يجدوها حروباً مُخزية، ولهذا هم يعودون إلى نصوصٍ تندّد بالحروب، بالعنف الذي يَجلبُ العنف. 

يتبدى الكتابُ على حقيقةٍ مفادها، ثبات الأدب أمام العالم المُتغيّر، ووراء ذلك الثبات، يقصد “مانغويل” ثبات القيم الإنسانية الكبرى أمام انحسارها واقعياً. كما لو أنّ الكُتّاب يسعون إلى بقاء أو جعل العالم مكاناً مُحتَملاً للعيش، عبر تناسخ «الأدب الذي نسميه عظيماً» في ترجماتٍ وقراءاتٍ متجدّدة، في إلهام النصوص الجديدة. 

يتلاقى لدى “مانغويل” فيما يُعالج «الأدب الذي نسميه عظيماً» صِدقُ الكلمات مع إيمانِ القارئ، الذي عندما يؤمِن بالكلمات «لا يُحرّك الجبال فحسب؛ بل يتيح لصخورها نفسها أن تتحدث». إذ نجدهُ في جلّ مقارباتهِ يستندُ إلى علاقة تشبه الرهان بين القارئ والكاتب، على الأول أن يؤمِن بالثاني، وعلى الثاني ألا يتنكّر لرجاء الأول. 

يأخذ في مقاربتهِ تلك، قصة الحسناء والوحش. فالحسناء تخسرُ الحبّ، ما إن يغلبها فضولها، وترفع الضوء في وجه الوحش. وفي موقعٍ آخر، يقارن تجربة القراءة بالتجربة الإيروتيكية، بهذا يعتقد بوجوب أن تكون القراءة تجربةً مجهولة. ويستلهم سلوك “أليس” التي عَبَرَت المرآة إلى بلادِ العجائب صورة التفاعل مع الكتب، وكأنّما الصفحات التي اسودّت بالحبر، هي مرايا أعادَ الكُتّاب صقلها، بعدما حطموها من أجل التحديق في عينِ الحقيقة. ومن ثمّ أشادوا المرايا، مرة جديدة، لقرّاءٍ سوف يَعبرون إلى عالمٍ جديد مُشيّد بالعجائب. 

مثلما يفقدُ المرء نفسهُ في الآخر وهو يعيشُ تجربة عاطفية، هذا ما ينتظره “مانغويل” من القارئ، حيث ينطبقُ لديه فنُّ القراءة على الحبّ. يضع الكتابة معادلاً لـ “تاريخنا” باعتبارهِ “قصة ليل طويل” ليلُ الديكتاتوريات والعسف. فنجد “دون كيخوته”، في الكتب، يُشهِرُ قيم الفروسية ويخوضُ حروباً عبثية، فقط، كي لا يَشعرُ القارئ أنّه أعزل في وجه العالم الوحشي. عبر مجموعة كبيرة جداً من الاقتباسات والنصوص، ضمناً الكتب المقدّسة، يَرسمُ “مانغويل” خريطةً لقراءاتهِ ويرفعها أمامنا، من صورٍ لمدنٍ تبدّدت أحجارها في الردم، فيما بقيت حكاياتها ترفدُ الإرث الإنساني. يجيءُ محتلّون وطُغاة ويبقى الأدب وفياً لأولئك الذين اندثروا.

تتداخل لدى “مانغويل” وهو يعرضُ في الكتاب جوانب من سيرتهِ؛ تجربة العمل مع “بورخيس”، انقلاب الدكتاتورية العسكرية في بلادهُ، سفراته ما بين كندا وباريس، والمكتبات التي أحدثها أينما أقام. تتداخل لديهِ الهوية الذاتية مع تلك التي شكّلتها الكتب التي قرأها، مأخوذاً بتلك القوة التي تمنحها الكتابة للبشر الفانين، عبر النطق بألسنة الموتى، والقراءة بعيون الآخرين. 

يَخلصُ “مانغويل” عبر عباراتٍ واضحة إلى تصورٍ للقارئ المثالي؛ إنّه الكاتب في اللحظة التي تسبق الإبداع، وهو كاتبٌ بعدما يُعيدُ صياغة القصة وفقاً لقراءته، وهو الجالس ليقرأ بين الحالتين. 

القارئ المثالي يَعرف ما يعرفهُ بـ “الحدس”، يُدمّر النص ولا يأخذ كلمات الكاتب على أنّها «حقيقة مسلّم بها». يتمتّع بحس الفكاهة، ولا يحصي الكتب التي يقرأها، كما أنّه يقرأ الكتب من غير أسماء كتّابها. لا يعرف الشفقة، ولا القواعد. شغوفٌ إلى حدٍ قد يقع في حبّ واحدةٍ من الشخصيات. 

بعد سلسلةٍ طويلة من الصفات التي نادراً ما تجتمع في قارئٍ واحد، يُطمئِنا “مانغويل” باعتباره الأدب لا يعتمد على القارئ المثالي، وإنّما «على ما يكفي من قرّاء جيدين». 

وما بين دروس القراءة وخلاصاتها، يمنح الكُتّاب تلك الإشارة التي تشبهُ التضامن، إذ يُخبرنا عن الحزن الذي تورثه الكتابة. ذلك لأنّها عمليةٌ «غير قابلة للتعليل»، لكن العملُ الشّاق والتّجربةُ الأليمة تجدُ أصداءها؛ عندما تمسك الكلمات بأيدي المهزومين الذين خَذَلَهم التّاريخ وأنْصَفهم الأدب. 

إغلاق