أَثَرُ كورونا على الحالةِ النّفسيّة للطفل

إن الحالة النفسية للطفل، تتأثّر بشكلٍ مباشر بروتين الحياة اليوميّة التي يعيشها، فمنذ ظهور جائحة كورونا، أُجْبِرَ الكثير من الأطفال على مواجهة  تغيّراتٍ مفاجئة وتكيُّفاتٍ جديدةٍ فُرِضَت على حياتهم اليومية. 

ولعل الانغلاق القسري داخل البيت لعدة أيام أو أسابيع ثم لعدة أشهر لاحتواء تفشي فايروس كورونا، هي من أبرز الفروض التي قيّدت حياة الطفل، وهو أمرٌ غير اعتيادي بالنسبة إليه، وترك آثاراً نفسية بالغة الصعوبة على المجتمع ككل من كباره وصغاره، بسبب حالة الذعر التي أصابت العالم على مستوى المجتمع والأسرة والتي اقتضت المتابعة والعلاج لدى الأخصائيين النفسيين.

المرحلةُ العمريّة للطفل تُحدّد مستوى القلق

إن الحالة النفسيّة للأطفال، ترتبط بالفترة العمرية ومراحل التّطوّر العمريّة التي يمرّون بها، لذلك هم أكثرُ الفئات عُرضةً للتأثّر بالخوف والذعر والحذر من فايروس كورونا.

فالأطفالُ قبل عمر السادسة؛ يتمتّعون بخيالٍ واسعٍ جداً ويمكن أن يُكوّنوا أفكاراً خيالية عن الفايروس المذكور، مثل أنه وحشٌ عملاق قبيح الشكل يفتك بالإنسان، وقد يتعدّى الأمر ذلك، كأن يفكروا في أنهم هُم من تَسبّبوا في هذه الكارثة بسبب خطأٍ ارتكبوه.

إن عدم تهيئة الأطفال مسبقاً وفرض الغياب القسري عليهم؛ سواء عن المدرسة أو رياض الأطفال، وتعليق جميع الأنشطة التي كانوا يستمتعون بها مثل: الألعاب، الرحلات، الرياضات والدورات المختلفة، انعكس بشكلٍ مباشر على نفسيتهم، وولّد لديهم مشاعر مُتداخِلة من الإحباط، الخوف، الذعر، الملل، التوتر والقلق على ما يمكن مواجهته في الأيام القادمة.

هناك عواملٌ مُهمّة توضّح إلى أيّ مدى يمكن أن تتأثر نفسية الطفل بسبب هذه الجائحة منها:

  1. عمر الطفل، فكلما كان الطفل أصغر كان صعب التكيّف مع التغيّرات.
  2. قدرات الطفل العقلية والفكرية لها دورٌ في استيعاب ما يجري من أحداث.
  3. حالة الطفل العاطفية والمزاجية تؤثّر على قدرته على التكيّف مع مَنْ حوله.
  4. الوسط المحيط بالطفل، فحالة الذعر التي يمكن أن تحدث داخل الأسرة وموقف الأبوين والمحيطين بالطفل، كلّها عواملٌ لها تأثيراتٌ سلبية على الأطفال، كأن يتكوّن في ذهنِ الطفل قَلَقٌ من أنّه سيُصابُ بهذا الوباء هو ومَنْ حوله.

لذا؛ يقعُ على عاتقِ الوالدين والُمرّبين الذين يُشرِفون على تربية الأطفال بشكلٍ مباشر والذين يتعاملون معهم يومياً، دورٌ مُهم في تخفيفِ قلق الطفل ومشاعره المضطربة، ومساعدته في كيفية التعامل مع هذه المشاعر وعدم تأثيرها سلباً على سلوكياته، والحفاظ على سلامته النفسية، فالاضطرابُ في المشاعر؛ له أثرٌ سلبيٌ على نفسية الطفل، وبالتالي يؤثّر على مناعتهِ الجسديّة وتجعله أكثر عُرضةً للإصابة بفايروس كورونا.

مصدر الصورة: adobe/fzkes

ما المطلوب من الوالدين والمُربين؟

يتوجّب على الوالدين والُمربين، اتّباع عدة أمور للحفاظ على الصّحة النفسية للأطفال وتحصينهم ضد التبعات النفسية لفايروس كورونا “Covid-19 ” وذلك من خلال:

  1. على الوالدين أو المربين أولاً، السيطرة على القلق والهلع لديهم، ليكونوا مثالاً يُحتذى به من قِبَلِ أطفالهم، وأن يستمعوا إلى الأسئلة العالقة في أذهانهم بخصوص المرض؛ ليتمكّنوا من إدراكِ معانات أطفالهم.
  2. العثور على طُرقٍ جديدة وممتعة لتشجيع الأطفال على التّصرّف بشكلٍ صحيح والتي يمكن أن تساعدهم على جعل السلوكيات والتلميحات الصغيرة أمراً معتاداً، حيث يمكن تعليم الأطفال على ضرورة غسل أيديهم لمدة 20 ثانية على الأقل، وعدم وضع أيديهم في أفواههم وشيئًا فشيئًا، ستتحوّل هذه السلوكيات إلى عاداتٍ صحيّة، مع التزام الوالدين والمربين بتلك السلوكيات الصحيحة وتوفير الفُرص للأطفال على تقليدهم في تلك السلوكيات.
  3. تقديم المعلومات الحقيقية بلغةٍ بسيطة ومناسبة لأعمار الأطفال، وذكر الأمثلة الإيجابيّة لهم لطمأنتهم وتسهيل فَهمِ ما يحدث حولهم، حيث يُمكن إخبار الأطفال أن الفايروس صغيرٌ جداً لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة ويصيب الإنسان عن طريق الفم والأنف ويُسبّب أعراضاً مثل السعال.
  4. فَسحُ المجال أمام الأطفال للتعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم والاستماع إليهم لفهم ماهية حالتهم العاطفية، ودعمهم عاطفياً ونفسياً واحتضانِ قلقهم ومخاوفهم، من خلالِ تأليف قصصٍ وذكرِ أمثلةٍ مناسبة لمساعدتهم على تجاوز مشاعرهم المضطربة.
  5. ضَرورة إبعاد الأطفال عن التّعرّض المستمر أو قضاء الكثير من الوقت أمام وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا تزيد المشاعر السلبية لدى الأطفال، بسبب ما يرونه أو يسمعونه، فالتّعرّض المفرط، قد يكون له نتائج سلبية تؤدي إلى تفاقم مشاعر الخوف والقلق أو ربما تتحوّل لمشاعر من الاعتياد واللامبالاة، كما أن الاستمرار في إظهار صور المستشفيات والأقنعة والتحديث المستمر لعدد الإصابات والوفيات، لا يمكن إلا أن يزيد من التخيّلات والأفكار السلبية لديهم.
  6. من الضروري الاستفادة من وقت الفراغ لدى الأطفال لتنمية قدراتهم العقلية ومواهبهم وتشجيع الاطفال على ممارسة هواياتهم المفضلة  وممارسة الأنشطة والألعاب اليدوية والتقليدية والشعبية وتوفير الأدوات والألعاب والوسائل المناسبة لهم في المنزل لتقليل الشعور بالعُزلة، ويمكن أن تكون التقنيات التكنولوجية، أداةً مفيدة للتواصل الاجتماعي والتّعلم ولكن ضمن حدودٍ زمنية لا تزيد عن ساعتين يومياً.

أخيراً، يجب التّقرّب إلى الأطفال وطمأنتهم وإخبارهم بأن معظم الدول والمجتمعات هم في نفس هذا الوضع وكلهم اتخذوا هذه التدابير الوقائية اللازمة لحماية أطفالهم من الضرر.

وتعزيز الشعور بالأمان لدى الأطفال والثقة بالنفس وبالآخرين مهم جداً، وتذكيرهم دائماً بأن هذا الوضع هو وضعٌ مؤقّت لابد من التعاون معاً لتجاوز هذه المرحلة، وهذه الحياة فيها المزيد من الحرية، كما فيها المزيد من التّقيّد والالتزام، ولابد لكل إنسانٍ أن يمتلك القدرة على مواجهة التحديات والصعوبات بالصبر والتّحمّل.

وفي حال لوحظ أن حالة القلق والذّعر عند الطفل مستمرة وتعيق حياته اليومية، عندئذٍ يجب التّوجّه إلى أخصائي نفسي مُتخصّص بالأطفال.

إغلاق