الندرة والغلاء..عناوين أزمة الدواء المتجددة

يتّجه “وحيد عبد الله” نحو إحدى صيدليات مدينة “ديرك” لشراء أدويةٍ اعتاد على تناولها منذ سنوات، إلا إنه في زيارته الأخيرة؛ تفاجأ بارتفاعٍ مضاعَف لأسعارها، وهو ما شكّل عبئاً آخر أُضيف لقائمة الأعباء التي يعانيها كما غيره من الأهالي.

يعاني “عبدالله” الذي يعمل بأجرٍ يومي زهيد، من مرضٍ في القلب، يُجبره على شراء أدويةٍ خاصة رغم  الارتفاع الملحوظ في أسعارها.

«والدتي تعاني المرض ذاته وأمراضاً مُزمنة أخرى، فهي سيدةٌ مُسنّة ومُقْعَدة، لذا أُجبَر على تأمين الدواء لها ولي أيضاً  بشكلٍ شهري، على الرغم من ارتفاع وتفاوت أسعارها بين صيدليات المدينة, إلا أنني أدفع خمسين ألف ليرة شهرياً لشراء الأدوية» يقول الرجل الخمسيني لـ مجلة (شار).

“عبد الله” نموذجٌ لآلاف الأهالي في المدينة ممن يواجهون الصعوبات في الحصول على أدوية الأمراض المزمنة، كمرضى القلب، الكلى والسكري وأمراضٍ أخرى.

“ابراهيم حسن” /70 عاماً/ من سكان مدينة قامشلي, يعاني من مرضٍ في عينيه، يحتم عليه شراء أنواعٍ عديدة من القطرات العينية؛ ليحافظ على ما تبقّى من بصره, على حد قوله.

«كنتُ أشتري القطرات العينية شهرياً وبسعرٍ جيد, أما الآن؛ فصار الحصول على الدواء، بمثابة المعجزة, بعد أن فُقِدَت معظمها من الصيدليات, وإن وُجِدَت؛ فإنها تباع بسعرٍ مُضاعَف» يؤكّد لـ (شار).

تأثيرُ انهيار الليرة السورية على إنتاج وبيع الأدوية

تعزو مستودعات بيع الأدوية ارتفاع أسعارها، إلى قانون قيصر منذ دخوله حيّز التنفيذ في السابع عشر من حزيران الجاري, والذي أثّر على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، من بينها قطاع الصحة.

«رفعت الحكومة السورية الدعم عن معامل صناعة الأدوية, بسبب ارتفاع أسعار استيراد المواد الأولية، التي كانت تشتريها بالدولار الأميركي, وبعد انهيار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية, ارتفعت أسعار غالبية المواد التي تدخل في صناعة الأدوية», يوضّح الصيدلاني “عابد كلش”.

تجد “ليلى حسين” القاطنة في بلدة كركي لكي, صعوبةً بالغة في توفير أدوية الكلى لابنها المريض منذ ثلاث سنوات, وذلك بعد موجة الغلاء الأخيرة.

 تقول: «سابقاً كنت أشتري الدواء بسعرٍ مقبول, بالرغم من وضعنا المادي  السيء, كان شراءه على حساب لقمة عيشنا, لكن الآن لم يعد بإمكاننا الحصول عليه؛ بسبب ارتفاع سعره من جهة وندرة وجوده من جهة أخرى». 

من جانبه، يُشير الصيدلاني “أنس عبدالكريم” إلى سببٍ آخر لارتفاع أسعار الأدوية, ويؤكّد أن الشركات والمصانع المنتجة للدواء في سوريا, «اتّجهت لشراء بعض المواد الأولية من السوق الحرّة أو التي تُعرف بالسوق السوداء, بأسعارٍ مضاعفة تؤثّر على تصنيع وسعر الدواء».

“علي سعد”  اسمٌ مستعار لصاحب مستودع توزيع الأدوية في مدينة قامشلي, يقول إن «أزمة عدم توفّر الدواء ليست بجديدة» والسبب من وجهة نظره يعود إلى «تضرّر نحو 85 بالمئة من قطاع صناعة الأدوية في سوريا، معظمها بريف دمشق وحلب, بعد أن تعرّضت عددٌ من المعامل للقصف خلال المعارك الدائرة في السنوات السابقة, فضلاً عن هجرة الكثير من الخبراء وصنّاع الأدوية».

ويضيف: «تركّزت الصناعة الدوائية في عددٍ محدود من الشركات والمصانع، ما شكّل ضغطاً في الإنتاج ثم صرفه، مع انقطاع الطرقات بين  المناطق».

وعن الأدوية البديلة, يُنوّه “عبدالكريم” إلى «توفّر بعض الأدوية أحياناً، لكن مع بأسماء شركات مختلفة, حيث نواجه صعوبةً في إقناع المريض على أن تركيبة الدواء هي ذاتها مع اختلاف اسم الشركة المُصنّعة».

في الوقت الذي يؤكّد فيه أن سعر الدواء في مناطق المنشَأ «أقل من المناطق المصدّرة إليها, بسبب ارتفاع أجور النقل التي تُضاف إلى سعر الدواء عند بيعه».

أين الجهاتُ الرسميّة من هذه الأزمة؟

بعد اندلاع الحرب السورية, تواجدت العديد من المنظمات المعنية بالقطاع الصحي, إلا أن الأهالي غير راضين عن الخدمات المقدّمة من قبلهم.

يقول “وحيد عبدالله”: «قصدتُ هذه المنظمات في عام 2015 لمرة واحدة, بغرض الحصول على بعض حبوب مرض السكري لوالدتي, وبعد انتظارِ بضعِ ساعات, حصلت على عشر كبسولات فقط, علماً أن أمي تحتاج لكبسولة واحدة يومياً, لذا كانت تلك المرة الوحيدة التي ألجأ فيها إليها». 

من جهته، يوضّح “آلان أحمد”  مدير مستشفى “هوكر” في مدينة ديرك, أن المستشفى كان «يُقدّم الخدمات للمرضى، بما فيها الأدوية، بشكلٍ مجاني, لكن في الوقت الحالي، هناك انقطاعٌ شبه كامل لأدوية الأمراض المزمنة كالسكري، الضغط والكوليسترول, وفقدان إبر مرضى الكلى».

وعن خطط الصحة لتوفير الدواء في المرحلة القادمة، أضاف “أحمد” أنهم «أرسلوا تقريراً شاملاً إلى هيئة الصحة في قامشلي عن أزمة انقطاع الأدوية, للبدء بتأمينها، خاصةً المتعلّقة بغسيل الكلى».

كورونا يُزيد من تفاقم الأزمة

مع ظهورِ وانتشار فايروس كورونا بداية عام 2020 الحالي، ازداد الخناق بشكلٍ كبير على المنشآت الدوائية السورية, ليُضاف إلى التحدّيات الأخرى التي تعيشها البلاد منذ نحو عشرة أعوام.

وفي ظل استمرار جائحة كورونا، انتهى مخزون الصيدليات والمستودعات من الأدوية خلال ثلاثة أشهر من الحظر الاحترازي، بسبب تراجع إنتاج المعامل، لارتفاع أسعار المواد الأولية التي كانت تُستَورد من الصين, تزامناً مع إغلاق الحدود والموانئ والمطارات بين الدول.

كانت الصناعات الدوائية السورية تُصنّف من أكثر قطاعات المجتمع تطوراً خلال عقودٍ مضت, لكنها انهارت خلال سنواتٍ قليلة من الحرب، لتجد نفسها بين فكّي كمّاشة, الأضرار  والخسائر التي تعرّضت لها من جهة, والعقوبات الاقتصادية على سوريا التي أثّرت عليها وعلى كل القطاعات من جهةٍ ثانية, لينال المريض النصيب الأكبر من هذا الضرر والذي يبقى في حاجةٍ ماسّة لتأمين دواءه بسعرٍ يتناسب مع دخله.

إغلاق