عمال الأجور اليومية .. تَهميشٌ للحقوق وعَيشٌ دون المستوى

«لم أتناول اللحوم منذ أكثر من شهر» يقول العامل “صبحي إسماعيل” وهو يُدخّن تبغاً بخس الثمن مع ابتسامةٍ مليئةٍ بالأسى، واقفاً مع عمالٍ آخرين أمام أحد الفنادق القديمة في مدينة قامشلو.

ما إن تقترب من هذا المكان، حتى تجتمع حولك مجموعة عمال عارضين خدماتهم التي تتنوّع بين العتالة وبعض أعمال البناء، الهدم، الحفر والتنظيف.

“إسماعيل” واحدٌ من آلاف العمال في قامشلو، الذين يعملون بأجورٍ يوميّة حسب نوع العمل الذي يُنجزونه «وهو غير دائم وغير متوفّر بشكل يومي» يقول لمجلة (شار).

«أُفضّل العمل ذو الأجر الشهري الثابت، فأكثر الأيام لا يُحالفني الحظ وأعود إلى البيت خاوي اليدين، وقد يمضي شهرٌ كامل، دون أن أُحظى بأي عمل». يُضيف الرجل الخمسيني مُتذمّراً من غلاء الأسعار وصعوبة المعيشة وتدنّي أجره اليومي الذي يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف ليرة سورية (ما يعادل دولارين إلى 4 دولارات).

تعيشُ سوريا أزمةً اقتصاديّة خانقة، بدأت بوادرها بالظّهور أواخر 2019 بارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، بعد استقرارٍ نسبي دام ثلاثة أعوام، وهو ما دفعت الحكومة السورية لرفع أجور عامليها من المدنيين والعسكريين، وهي خطوةٌ بادرت بها الإدارة الذاتية مرتين، آخرها كانت نهاية يونيو حزيران الماضي،  بزيادة 150 بالمئة على أساس رواتب موظفيها، بهدف الحفاظ على القوة الشرائية لهم.

فيما بقي القِطاعُ الخاص مُهمَلاً من ناحيةِ رفع الأجور، فلا قوانين فعليّة ناظمة للعمل، وإن وُجِدَت، فلا وجود لتطبيقٍ حقيقي لها، ما يُعرّض العامل في هذا القِطاع للاستغلالِ من جانبِ أربابِ العمل، وذلك بفرضِ أجورٍ ضئيلة  وتحديدِ ساعات عملٍ طويلة وغيرها من وسائل الإجحاف بالحقوق.

إجراءات كورونا زادت من مأساة العُمّال

في ظلّ المخاوف المستمرّة من تفشي جائحة كورونا، فرضت الإدارة الذاتيّة، حظراً للتجوال في مناطق سيطرتها شمال شرقي سوريا، كإجراءٍ احترازي لمكافحة الفايروس المستجد، امتدّ الحظر الشامل عدة أسابيع، ما تسبب بشللٍ شبه تام للحياة الاقتصادية، يصف “إسماعيل” حاله وأسرته في تلك الفترة بـ «الويل»، ويقول: «وصل بي الحال لطلب تبرّعات من جامع الحيّ لإجراء عملٍ جراحي لزوجتي».

يؤكّد الرئيس المشارك لـ (مُنسّقيّة اتّحاد الكادحين) في شمال وشرق سوريا “شيرو شرّو” أن اتحادات الكادحين التسعة المتوزّعة في مدن شمال وشرقي سوريا «تُعنى بالدفاع عن حقوق الكادحين في القِطاعين العام والخاص، وليس من مهامها تأمين العمل لهم».

ويضيف خلال حديثٍ لـ مجلة (شار)،  «نعمل على تنظيم الكادحين في أماكن عملهم، ونتدخّل لحمايتهم في حالات الفصل التّعسّفي، وفي حال إهانة كرامتِهم أو تشغيلهم دون توفير وسائل ملائمة كالملابس الخاصة بالعمل، وأيضاً  في حال عدم دفع مستحقاتهم، كما نعمل على زيادة أجورهم بما يتناسب مع الوضع المعيشي الحالي، عبر لجانٍ خاصة بأنواع العمل المختلفة، بالتنسيق مع جميع الجهات العامة والخاصة ذات الشأن».

ويقول: «حاولنا ولا نزال نحاول تأمين مكتب وساحة مناسبة لتجمّع العمال، وعرضنا المقترح على البلدية، لكنّها رفضت، لذا سنرفع الطلب إلى مستوى هيئات شمال وشرق سوريا، وإلى حركة المجتمع الديمقراطي التي نتبع لها».

تصوير: شفزان محمود

أطفالٌ عُمّال 

يبدو أن الأوضاع المادية الصعبة التي يعيشها سكان سوريا عامةً ومناطق الإدارة الذاتية أنموذجاً، دفعت بالكثير من العوائل، السماح لأبنائها الذكور والإناث، على حدٍّ سواء، دخول سوق العمل مُبكّراً، كما “رهف قطّاع” 17 عاماً، التي تعمل 12 ساعة يومياً في أحد محلات بيع المواد الغذائية بالجملة.

تحصل “رهف” وهي أكبر أفراد عائلتها المؤلّفة من ستة أبناء وبنات، على 2500 ليرة سورية يومياً (ما يعادل دولار واحد) وتستلم أجرها أسبوعياً. 

“رهف” الطالبة في المرحلة الثانوية، تقول لمجلة (شار): «أعمل لأساهم في تأمين مصروف البيت، فراتب والدي لا يكفي، الأمور باتت أصعب من ذي قبل، ولا يزال ما أتقاضاه غير كافٍ».

يؤكّد “شرّو” أن اتحاد الكادحين، «أرسل كتاباً إلى جميع الجهات العامة والخاصة التي يعمل فيها «الكادحون» في شمال وشرقي سوريا يحذّرون فيه من تشغيل من هم دون سنّ الثامنة عشرة».

ويقول: «أجرينا تحقيقاً بهذا الشأن في أحد تجمّعات الكادحين بعد ورود أنباء عن تشغيل أطفال»، إلا أنّه لا ينفي غضّهم النظر عما أسماه «الأعمال الخفيفة» لهذه الفئة العمرية، وذلك «مراعاةً للوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه السكان»، على حدِّ قوله.

مَنْ يتكفّل بعلاجهم؟

يعمل هؤلاء العُمّال وفق اتفاقٍ شفهي مع صاحب العمل، دون وجود عقودٍ قانونية عبر وكالات أو شركات وسيطة تضمن حق الطرفين، وهذا النوع من العمل  شائع في شمال وشرقي سوريا، ما يفرز مشاكل عدة سواءً من ناحية ساعات العمل، وتحديد الأجر، والالتزام بدفعه من عدمه، أو حتى حدوث إصابات ووفيات أثناء العمل أو تحديد الجهة التي ستتكفّل بالعلاج أو التعويض.

تؤكّد “رهف” أنها «تثق» بربّ عملها وأنه «لن يبخس» حقها، إلا أنها ترى «ضرورة وجود جمعية» تحميها وزميلاتها إذا ما لحق بهنّ الضرر، ويؤكد العامل “صبحي إسماعيل” أنّ ربُّ العمل «لا يتكفّل بالعلاج في حال إصابة العامل»، خاصّةً أن أغلب الأعمال التي يُنجزونها «أعمالٌ ثقيلة تتطلّب مجهوداً عضلياً كبيراً وفيها مخاطر عدّة».

في هذا المنحى، يقول الرئيس المُشترك لـ (اتحاد الكادحين) الذي يضمّ نحو 12 ألف كادح في إقليم الجزيرة: «نسعى للضغط على ربّ العمل لتحمّل تكاليف علاج العامل في حال تعرّضه لإصابة أثناء العمل».

«وزّعنا 3000 بطاقة صحيّة على أعضاء الاتحاد، للحصول على خصومات الطبابة والأدوية» يقول “شرّو” الذي يَعِد بإنشاء مستوصفات وصيدليات عمّالية «إذا ما تمّت الموافقة على مقترحهم في الأشهر القليلة المقبلة».

يتوازى غياب المشاريع والبرامج الحكومية لدعم هذه الفئة العاملة، مع غياب جمعياتٍ مُستقلّة تُعنى بشؤونهم، ويبقى العرف سيداً في هذا النوع من العمل، وهو ما لا يمكن التعويل عليه؛ نظراً للقيمة المُضافة التي يقدمونها في دوران عجلة الاقتصاد في بلادٍ أنهكتها الحرب ولا تزال. 

وبغياب العدالة في قضية حقوق العمال، فإنّ شريحةً واسعة من المجتمع؛ ستصبح تحت رحمة شريحةٍ أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى بروز مشاكل إضافية في توزيع الدخل الوطني، ما يستدعي تدخّلاً من الجهات المدنيّة والحكوميّة لوضع حدٍّ لمأساة هذه الشريحة المُهمّشة.

إغلاق