الذاكرةُ.. بابُ الثّرثرةِ المُشرَّع على المُستقبل

في إحدى كتاباته، يؤكّد الأرجنتينيّ “خورخي لويس بورخيس” على الماضي والذاكرة، فيُدوِّن «نحن من صُلب الماضي، نِصفنا اختراع، والنصف الآخر ذاكرة»، عبارةٌ فيها الكثيرُ من التّعويل على أهميَّة الذاكرة، ذاكرةُ كلِّ شيء، الفنّ، الأدب، الثقافة، الحياة اليوميَّة، الطقوس، التقاليد، وكلّ العناصر التي تشكِّل في نهاية المطاف بنية أيَّ مجتمعٍ من المجتمعات، الذاكرةُ التي لا يمكنها أن تعيش بدون مجتمع، ولا يمكن للأخير بأيِّ حالٍ من الأحوال الاستمرار بالتطوِّر دون ذاكرةٍ يعودُ إليها آنَ شاء مستنبطاً منها ومستنطِقَاً لها ليستفيد. 

استمراريَّةُ الإرث القديم: 

كي نحيا، لا بدَّ أن تكون الذاكرة حاضرة وبشدَّة، تلك الذاكرة التي تجعل من البشريَّةَ تمتلك أقداماً كثيرة، أقدامٌ في الماضي وأخرى ممدَّدة بثقةٍ نحو الأمام، وبالتالي نحو المستقبل، تخيَّل المنظر المهوّل، أقدامٌ كثيرة في الماضي وأخرى مثلها عديدة في الحاضر والمستقبل، عوضّاً عن أن تقيَّد تلك الأقدامُ دفعةً واحدة بسلاسل النسيان المفترسة، الأقدام التي إن بقيت هكذا فستتآكَل على مرِّ الأزمان بطبيعة الحال وتتلاشى عضويَّاً ومعرفيَّاً.

فالبشرُ سيُفنَون، وهذا يقين، لكنَّ الذاكرةَ تبقى، وبما أنَّ الذاكرة هي عند البشر الذين سيفنَون، لا بدَّ وأن يكون ثمَّة تدوينٌ لتلك الذاكرةِ، تدوينٌ بمختلف الأشكال، التصوير، التسجيلات الصوتيَّة، وإلى ما هنالك من أدوات الحفظ والتخزين والرجوع إلى المادَّة المخزَّنة في أيِّ وقت.

يبدو الأمر للناظِّر من خارج الصندوق يسيراً، سوى أنَّ مواجهة الصعوبات يجعل من هذا الشأن بالغَ الصعوبة والتحقُّق، فالأمر مرهونٌ بمؤسساتٍ مختصَّة بشؤون الحفظ والترقيم والتخزينِ طويل الأمَد، فبالإمكان لشخصٍ ما أن يتذكَّر ما مضى، ولكن ليس بإمكانه إتقان الحفظِ والخَزن، الأخيران اللذان يستوجبان خزَّاناً بشريَّاً مُتقِنَاً لعلوم التخزين. 

لا شكّ وأنّ ثمَّة محاولات في هذا السياق، سوى أنَّها محاولاتٌ شخصيَّة لا تتعدّى الكتابَ أو المقال أو الدراسة، في الوقت الذي يحتاج فيه الأمرُ، كما أسلفنا، إلى رغبةٍ حقيقيَّة وفعليَّة في رسم خارطةٍ ذهنيَّةٍ للتدوين والحفظ، ومن ثمَّ تطبيق هذه الخارطة لتصير واقعاً.

الأمر في جلِّه على علاقةٍ قويَّة باستمراريَّة الإرث القديم وعدم انقطاعه، وهذا الرهان على الاستمرار مقترنٌ بالفعل الحقيقيّ إزاءَ احترام ذلك الإرث القديم وإعطائِه الأهميَّة القصوى، دراسةً وبحثاً وتمحيصَاً وثرثرةً! الثرثرة التي تفتح الأبواب بالكامل على المستقبل، الثرثرة التي تفسح المجال أمام الباحثين في الإرث، كي يتمّ إعادته وإحياءه أو على الأقلّ الاستفادة منه، وفي أدنى الأحوال تثبيتهُ بدعائمَ لا يمكن لها أن تنهار، وهذا دأبُ العارف المجتهِد الذي لا بدَّ وأن يحتاج إلى مرانٍ وعونٍ من مؤسَّساتٍ ترعَى ولا تُؤدلِج، تُعاوِن وبالتالي لا تفرُض.     

 ضدَّ الأرشفة:

يبدو أنَّ البعض يرفض النحت، النحت الملزم في الذاكرة، كي تبقى الشعوب تناجي صمتها القديم وأحاسيسها الدفينة والاشتياق الأبديّ للأصل، وهذا ما يفعله الأتراك المحتلَّون مثلاً، حين يقطعون أشجار الزيتون من جذورها كي لا يبقى ثمَّة أثرٌ ما للقاطنين الأصليّين، وهنا لا أتحدَّثُ عن الزيتون والأشجار ككائناتٍ عضويَّة، إنَّما أتحدَّثُ عن الشيء وكأنَّهُ رمزٌ لذاكرةٍ قديمةٍ لا بدَّ وأن يُحْفَظَ، لا أن يؤرشَف كأي كائناتٍ إلكترونيَةٍ من الممكن أن تضيع يوماً ما أو أن تُقرصَن، لا بدَّ من تدوينٍ ما للأحاديث بعد تسجيلها صوتَاً عجوزاً، أو ثرثرةً سليمة لامرأةٍ أنهك الوقتُ القديمُ ذاكرتها فلا تكفُّ عن الحديث، محاوِلَةً أن تُخرِج الضغط الهائل للكلمات من دماغها، أو ثمانينيٌّ أفنى عمره في المقارنَةِ الشخصيَّة داخل الدماغ -حيثُ مستقرُّ الذاكرة- أتخيَّلُهُ حزيناً وعلى مسافةٍ قريبةٍ جدَّاً من الموت والفناء، متحسِّرَاً على الذاكرة التي سترقَد إلى جانبه تحتَ التراب، دونَ أن يعثر على يدٍ تساعد تلك الذاكرة لتنهض وتنفصلَ عنه وتعيش بعيدةً، لتغدو بدناً مستقلَّاً.

كُلَّنا يتذكَّرُ الأجداد، وباعتبارنا أحفاداً محظوظين في الوقت الرَّاهن المتقدِمِ من ناحية التكنولوجيا والتقنيات وأدوات التدوين، لا نكلِّفُ أنفسنا عناء البحثِ أو المساعدة في الأرشفةِ المثاليَّة، إنَّما نكتفي بالإصغاء إلى الجَدّ وكأنَّهُ يسردُ حكايةً لننام فحسب!.

ثمَّة محاولاتٌ في منحى الأرشفَةِ المثاليَّة من بعض القائمين على أمور الفنِّ والثقافة في المنطقة، والجهد الذي بذلوه ويبذلونه محلّ احترامٍ، ولكن الأمر محصورٌ في الموسيقى والغناء والتراث الشفاهيّ فحسب، دون محاولاتٍ من آخرين للتقليد على الأقلّ فيما تبقَّى من المجالات، كمحاولَةٍ للتخزينِ أو إعادة الإحياء.

على مَدّ النظر من عفرين المحتلَّة وصولاً إلى آخر نقطةٍ في الزاوية الحدودية شرقاً، ثمَّة خزَّانٌ هائلٌ من الوقتِ القديم، الذي بالإمكان العمل عليه والنَّحتَ فيه، أرضٌ واسعةٌ تمشي فوقها الذاكرة، دون أن يتوفَّر هناكَ من يمشي معها إلى اللانهاية، أتخيَّلها وحيدةً موحِشةً، تحاولُ أن تجد من يُحدِّثها ويَستنْطِقها.

تصوير: بيروز بريك

التّدوين:

تبدو الأشياءْ، كالأوابد الأثريَّة مثلاً، كائناتٍ جامدة، سوى أنَّها في المنطقيِّ من التفكير، كائناتٌ مليئة بالنسيان، نسيان التدوين أو البحث، وهذا ما يترتّبُ عليهِ إعادةً في التدوين، أو ربَّما هو عملٌ حثيثٌ للوصول إلى حالةٍ توثيقيَّةٍ غير تلكَ التي ورثناها، أعني هنا التوثيق التقليديّ، لكن والحال هذه، تغدو عمليَة التدوين بحاجةٍ إلى مراحل طويلة قد تستغرق وقتاً أطولَ تُمحى خلالها الذاكرة، فالاحتياط هنا واجبٌ، ولا بدَّ من الحذر المُستعجَل في هذه الحالة، حذرُ السرعَةِ في التدوين والتقاط الكلامِ وتثبيته قبل أن يغدو هباءَ لا التقاطه.

ما مِنْ خطَّةٍ مُحَكَمَةٍ في هذا السياق، سوى أنَّه من الممكن الاعتماد على طريقتَي تسجيل الصوت البشريّ واستنطاق ذلك الصوت الذي يمكن له أن يَسرُد ما يحلو له، ومن ثمَّ البدءُ بتحويل الكلام إلى تدوينٍ وأحرفٍ، وها هنا تبدءُ المرحلةُ الأكثر شراسةً، وهي التحقُّق، عبر المقارنَةِ الذكيَّة من خلال مختصّين في التاريخِ والشفاهيَّة المُعتادة في تاريخ المنطقة، ومن ثمَّ البدء في التدوينِ الحقيقي، الذي هو سرُّ البقاء، فما كُتِب منذ زمن “ياقوت الحموي” كان تدوينَاً أقبلَ بعد رحلاتٍ مضنيةٍ في جهات الأرض، ونحن في هذا المنحى نتحدَّثُ عن بقعةٍ جغرافيَّةٍ صغيرةٍ ربّما لن تحتاج إلى رحلاتٍ كالتي كانت مضنية فيما سبق، ولكنَّها بحاجةٍ إلى عُشّاقٍ للأرض وذكرياتها، إلى جيشٍ صغيرٍ مدجَّجٍ بالحبِّ الحقيقيّ والمسؤوليَّة إزاءَ الأمر برمَّته.    

إغلاق