تفوّقٌ في زمنِ التهجير والنّزوح

طالبٌ من سري كانييه يُحقّق حلمه

في منزلهِ المؤقّت بمدينةِ الحسكة، يستقبلُ “إبراهيم شيخموس” الطالب النازح من سري كانييه، بعض المعلمين برفقة أصدقاءه جاؤوا ليباركوا نجاحه في الشهادة الثانوية العامة الفرع العملي ونيله معدل 94.5%.

“شيخموس” الذي مرَّ  بظروفِ النّزوح القسري القاسية عَقِب العملية العسكرية التركية، نجح باقتدار في حجز مقعدٍ له بين المتفوّقين في منطقة الجزيرة، بعد حصوله على 226.9 درجة من أصل 240.

تحدّي الظّروف في ظلِّ النّزوح:

تسبّبت عمليةُ ما تُسمى (نبع السّلام) العسكرية التي أطلقتها تركيا في التاسع من أكتوبر تشرين الأول 2019 وانتهت في 22 من الشهر ذاته، بنزوحِ أكثر من /162/ ألف شخص، بينهم 45 ألف طفل من سري كانييه وريفها، وفقاً لإحصائيات الإدارة الذاتية.

العمليةُ العسكرية التي شاركت فيها فصائل المعارضة السورية المنضوية تحت مظلّة ما يُسمى (الجيش الوطني)، أدت أيضاً إلى السيطرة على منطقة حدودية واسعة في شمال شرقي سوريا بطول نحو 120 كيلو متراً بين مدينتي سري كانييه شمال الحسكة وگري سبي شمال الرقة.

قسوةُ النزوح، كانت من أصعب الأمور التي شكّلت عائقاً أمام دراسة “شيخموس”، لكن الشاب الذي لا يتجاوز عمره 18 عاماً، أصرّ على تحدّي ظروفه الصعبة، ليكون له نصيبٌ من التًميّز.

«لم أتحجّج بالظروف؛ فأنا أؤمن بالهدف الذي وضعته نُصْبُ عينَي، لذا صممتُ على تحقيقه، ونجحتُ في رسمِ البسمة على وجوهِ أفراد عائلتي الذين عانوا مأساة النزوح مثلي وأَزْيَد» يقول “شيخموس” لـ (شار).

الحرمانُ من الدراسة عَقِب (نبع السلام):

عَقِبَ نزوحها القسري من سري كانييه، اضطرّت عائلة “شيخموس” إلى مشاركة خمسِ عائلات أُخَر السكن في منزلِ أحدِ أقاربها بمدينة الحسكة، لمدةٍ تزيد عن 45 يوماً، انقطع خلالها طالب الثانوية العامة عن دراسته.

«بقيت كتبي المدرسية في سري كانييه، وأُلغيت الدورات التعليمية التي كنت أخضعُ لها، بعد نزوح معظم الطلاب والمعلمين، وتشتتهم في مدن منطقة الجزيرة وإقليم كُردستان، كنا 35 شخصاً نُقيم في منزلٍ واحد» يروي الطالب معاناة نزوحه لـ مجلة (شار).

المثابرة على الدراسة:

بحثاً عن الاستقرار، استأجرت عائلة “شيخموس” المُكوّنة من خمسة أفراد منزلاً في مدينة الحسكة، لتُهيّئ لابنها الظروف الملائمة لإعادة تنظيم وقته والبدء بالدراسة مُجدّداً؛ استعداداً للامتحانات.

لَمْ يُخيّب طالب الثانوية العامة ظنَّ والديه، بعد أن صمّم على تحقيق هدفه بالحصول على معدّلٍ عالٍ، وبذلِ جهدٍ مضاعف لتعويض ما فاته. يقول لـ (شار):  «لم أكن أترك الواجبات الدراسية تتراكم، كنت أُعيد قراءة المادة أكثر من مرة واستعين بالمعلّمين عند الضرورة، لذا لم أجد صعوبةً في التقدّم للامتحانات».

لا توقّف حتى تحقيق الحلم:

الدراسة في كليّة الطب البشري، كانت أمنية “شيخموس” منذ الصِّغر، لكن الدرجات التي نالها، رغم امتيازها، لا تخوّله لدخول تلك الكلية، فهو بحاجةٍ إلى درجاتٍ إضافية عن مجموع درجاته المُستحقَّة، لذلك سيكون أمامه خوض امتحانٍ آخر، يعتقد “شيخموس” «أنه أهم مما سبق».

لذلك، ينوي المشاركة في الدورة الإضافية الثانية “الدورة التكميلية” لامتحانات الشهادة الثانوية العامة، التي من المُقرّر أن تبدأ بعد فترةٍ قصيرة، ويحق للطالب الناجح في المواد جميعها التقدم بمادتين على الأكثر،  بهدف زيادة معدله، وفق نظام الامتحانات في سوريا.

يقول: «درجاتي الحالية، تؤهّلني لاختيار دراسة الطب البشري في المفاضلة العامة الأولى، لكن لضمان قبولي في المفاضلة الثانية، سأُعيد تقديم امتحان مادتي الكيمياء والرياضيات، بعد أن أضعتُ في كلتيهما نحو سبع درجات».

ينتظر “إبراهيم شيخموس” كما عشرات الآلاف من سكان سري كانييه النازحين قسراً، العودة إلى مدينتهم، لينعموا بالسلام كما السابق، ويعود طلبة المدراس إلى مقاعد الدراسة بحثاً عن مستقبلهم بكل طمأنينة لتسخير خبراتهم العلمية فيما بعد، خدمةً لمدينتهم التي دمّرتها عملية (نبع السلام).

إغلاق