مقابل رغيف خبز صار عبداً 

الأرمن حين يروون قِصص الموت والإبادة

في فناءِ منزلهِ بقريةِ “آرتين” منطقة “تل علو” بريف مدينة قامشلو، يجلس “علي آرتين” مُحاطاً بالأبناء والأحفاد يتصفّحون سويّاً صور جدهم “آرتين” الناجي من الإبادة الأرمنية.

 يستذكر الرجلُ السبعيني قصّة فرار والده  عندما كان طفلاً رفقة عمه “نوبار” وجدّته “ألماز” وجده “بيروس هوكيان” الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني  في مدينة (أضنة) التركية.

تحت سياط الجنود الأتراك ووحشية مرافقي العوائل الأرمنية المُحتَجزة، وَصَل “آرتين” وعائلته إلى مشارف منطقة “سري كانييه/رأس العين”، ليكونوا ضمن الدفعة الأولى التي عرضهم الجنود الأتراك عبيداً في سوق النِّخاسة التي افتتحوها في ذاك المكان.

«توافد أهالي  مدينة الرقة وريفها، الأغنياء منهم، إلى السوق وقايضهم الجنود الأتراك بما يمتلكوه من رطل قمحٍ أو شعيرٍ أو حتى أرغفة خبز، مقابل حصولهم على طفلٍ أو امرأةٍ أرمنية يرغبون بانتقائها» يقول “علي” لـ مجلة (شار) نقلاً عن والده. 

مشيراً إلى أن المزاد «افتُتِح  على والده بعد مقايضته برغيف خبز لرجلٍ يدعى “سلطان الناصر” من مدينة الرقة، حيث عاش في منزله عبداً وخادماً لأسرته، بعد وفاة شقيقه وانقطاع أخبار والدته التي لم يبق في ذاكرته من تفاصيل؛ سوى اسمها وملامحها الشقراء الجميلة التي أورثتها لبعض الحفيدات».

يسرد “علي” وهو الأب لتسعة أولاد والجد  لـ 13 حفيداً، وهو يقلّب صفحات دفترٍ كان عبارة عن  سيرةٍ ذاتية لوالده ورحلة هروبه وعائلته للشتات، دوّنها الأب “آرتين” في تسعينيات القرن الماضي عندما كان في الثمانين من عمره، وبدأها من اللحظات ما قبل الإبادة بأيامٍ قليلة وهو في العاشرة من عمره،  يتحدث فيها عن تفاصيل يوم (الفرار العظيم) كما أسماه.

«كان “آرتين” يلعب مع شقيقه “نوبار” الذي كان يصغره بعامين، حين عاد والدهم  مُسرعاً من عمله ليُخبِر الأم “ألماز” أن تتجهّز للرحيل قبل وصول الجنود الأتراك» تقول إحدى صفحات السيرة الذاتية.

ويُضيف “علي” وفق ما هو مدوّن في المذكرات: «استعان جدّي بحصانه ليفرّ بعائلته الصغيرة  بعيداً عن آلة الموت التركية، لكن الجنود الأتراك المنتشرين في كل مكان اعتقلوه وقتلوه بعد أن أجبروه على حفر قبره بيديه و انهالوا بالسكاكين والخناجر على جسده، قبل أن يرموا جثته الملطخة بالدماء إلى القبر على مرأى من أسرته».

 ويقول “علي آرتين”: «أجبروا والدي وعمي وجدتي على المشي ساعاتٍ طويلة وتناوبوا على ركلِهم وضربِهم، وسلّموهم لجنودٍ آخرين كانوا بدورهم قد قبضوا على عديد العوائل الهاربة واحتجزوهم مع بعضهم، وتحت تهديد السلاح؛ رحّلوهم إلى سوريا في رحلات عبورٍ ارتكب خلالها الجنود الفظائع بحقهم».

(علي ارتين) تصوير: لامار أركندي

“آرتين” في الرقة بتاريخ ميلادٍ ومكانٍ مُزوّر:

سُجّل الطفل “آرتين بيروس هوكيان” في السجلات الرسمية  للحكومة السورية على اسم العائلة العربية التي كانت يخدم عندها،  باسم “مرتن سلطان الناصر” بتاريخ ولادةٍ مُزيّفة  للزمان والمكان على أنه وُلِد في البادية السورية  عام 1910، ليفقد “آرتين” هويته القومية والدينية.

يقول “صدام” حفيد “آرتين” لـ (شار): «شبَّ جدي في كنفِ تلك العائلة في بيئةٍ تعاملت معه على أنه خادم، ووصفه أهالي القرية بـ «العبد» كنايةً عن شرائه  من سوق الرقيق الذي افتتحه الأتراك في تلك الحقبة, وبقيت صفة العبد تلازمه كلما زار الرقة حتى وفاته، وبعد انتقال جدي “أرتين” للعيش في “تل علو” بعد رحيله عن الرقة، حصل على قطعة أرضٍ زراعية بعيدة عن القرية،  فبنى منزلاً وتزوّج من جدتي عائشة وانجب منها خمسة أبناء وأربعة بنات».

ويُشير “صدام” 35 عاماً، إلى أن العديد من أبناء العائلة يحملون اسم والدة جده الأرمنية “ألماز” وهم يُعْرَفون في المنطقة باسم «عائلة الأرمني».

ماذا حدث للأرمن؟

لم تكن مذبحةً واحدة؛ بل مذبحتين تبعتهما إبادة راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف أرمني على يد العثمانيين الذين مازال أحفادهم وحكامهم حتى اليوم يواجهون تنديداً دولياً وغضباً واسعاً، بسبب تلك المذابح التي سُجّلت كواحدةٍ من أسوأ الجرائم ضد الإنسانية.

يقول المؤرّخ  المصري “صلاح الدين الفياض” لــ (شار): «كانت أول عملية إبادة جماعية في القرن العشرين، ويرجع تاريخ أحداثها الأولى إلى فترة الحرب العالمية الأولى، حيث انهارت خلالها الدولة العثمانية التي كانت تحكُمها جمعية تركيا الفتاة واستهدفت الأرمن بالقتل والاعتقال والتهجير بشكلٍ ممنهج، بسبب شكوكها تجاههم في دعم روسيا أثناء الحرب».

تعرّض الأرمن للتعذيب والاغتصاب ومصادرة الممتلكات، والقتل الجماعي  وأُجبِروا على السير لمسافاتٍ طويلة عبر الجبال والسهول بلا طعام أو شراب، فمنهم من مات جوعاً أو عطشاً أثناء عملية الترحيل إلى الصحراء السوريّة، ومنهم من قضى في مجازر جماعية ارتُكِبت في كل مكانٍ وصله الجنود الأتراك.

يُشير “الفياض” إلى أن  تلك الجرائم بحق الأرمن، «استمرت  لحين الكشف عنها عام 1920، وأُلقي القبض على الجناة من الضباط الأتراك، الذين أُطلِق سراحهم فيما بعد بعد العفو الذي أصدرته الحركة القومية التركية بحقهم، وهو  النهج نفسه الذي سارت عليه جميع الحكومات التركية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة على يد “مصطفى كمال أتاتورك” الملقب بـ “أبو الأتراك”، في الإنكار ورفض الاعتراف بالإبادة الجماعية».

إنكارٌ تركي للإبادة:

رغم مرور أكثر من 100 عام على أشهر مذبحةٍ في التاريخ ارتكبها الأتراك ضد الأرمن في الرابع والعشرين من أبريل نيسان عام 1915، لاتزال تركيا ترفض الاعتراف بكونها جريمة إبادة جماعية، وهو ما يُشكّل مصدر قلق كبير لتركيا الحديثة، خاصةً مع بيانات الإدانة الدولية في الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، والتي دعت أنقرة للإقرار بمسؤوليتها عن الجريمة وتحمّل تبعاتها المادية والمعنوية.

وهو ما ترفضه تركيا بشكلٍ قطعي، وتؤكد أن عدد الأرمن الذي قضوا في تلك الفترة يقارب نصف مليون فقط، نتيجة الجوع أو في معارك وقفوا فيها مع روسيا، عدوة السلطنة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى.

من جانبه، يؤكّد الحقوقي “فايز حسن” خلال حديثه لـ (شار)، «في حال اعترفت الحكومة التركية بتلك المذابح، فسيكون لزاماً عليها دفع تعويضات مالية قد تفوق ملايين الدولارات، إلى جانب تعويضات بالأراضي في شرق تركيا للأرمن، وهو ما قد يهدد بانهيار تركيا وتقليص جغرافيتها».

ويُضيف، «الكتلة الأرمنية الأساسية، التي رُحّلت وأُبيدت، كانت موجودة في شرق تركيا، وبعد خسارة الأخيرة في الحرب العالمية الأولى عام 1918 وقّعت معاهدة (مودروس) ثم معاهدة (سيفر ) التي أعطت الأرمن حكم شبه ذاتي في تلك المنطقة، وهو ما سيجبر أنقرة التعويض بالأراضي في حال اعترافها بمذابح الأرمن».

تصوير: لامار أركندي

أرمينيا تبحث عن أبنائها الناجين:

تسعى الحكومة الأرمنية للبحث عن ذوي ضحايا الإبادة الأرمنية ممن فرّ أجدادهم إلى سوريا، وتبنّت رعايتهم عوائل، أغلبها كردية في ريف مدن وبلدات الشمال السوري، لإعادتهم إلى أرمينيا ومنحِهم الجنسية الأرمنية، حيث تُعدّ عائلة “آرتين” واحدة من مئات العوائل التي تتحضر للعودة إلى أرض الأجداد خلال الفترة القادمة.

ووفقاً لمنظمات الشتات الأرمني، فإن هناك نحو 150ألف أرمني في سوريا، يعيش معظمهم في حلب وفي مدن الجزيرة، وعددٌ قليل في مدينة الرقة، طرطوس واللاذقية.

إغلاق