الممر الطويل المنعش

تبدو الأشياءْ، كلُّ الأشياء، في قديمها وسيمةً! أقولُ معاتباً نفسي في اللحظةِ ذاتها، كيف يمكن للظلمِ والشرطيّ مثلاً أن يكونا وسيمَين؟!، أرفضُ الفكرةَ محاولاً إقناعَ مالك الصهريج الذي يبيعُ الماءَ أن يأتي باكراً، لقد نفذ الماء في البيت، لا قطرةَ ماءٍ أغسل بها وجهي أو أعدَّ فنجان القهوة، أفكِّرُ:

  • تُرى ما الذي تفعله الأمّهاتُ الشديدات الآن؟، الشديدات في التنظيف وإمحاءِ لون البلاط على إثر الغسيل اليوميّ.

أبتسمُ للفكرةِ محاولاً إقناع ذاتي أنَّ الأمَّهات تغيَّرنَ، وأنَّ أنابيبَ المياه كذلك تهرّأت وما عاد في وسعها أن تلبّي طاقة الاستحمام التي ازدادت بفعل ازدياد السكّان، هذا الربطُ السحريُّ بين الأنابيب وتلفها وبين الأمّهات الجدد، أغرقني في نوبة ضحكٍ جعلت مني ممسوسَاً في نظر المارَّةِ وأنا أتوجَّه نحو مقرّ البلديَّة لإقناع المسؤولين أنّني أحتاجُ إلى المياه.

فكّرتُ للحظةٍ وأنا في مسيري، أن أحاول استجداء عطف الموظَّف، تذكّرت موظفيّ غوغول في قصصه، حيثُ معاطفُ مهترئة وملابسُ رثَّة، ذقونٌ طويلةٌ وبؤس.

تذكّرتُ كذلك صديقي الذي هرب من أوروبّا بعد ثلاثين عاماً من المكوثِ في الجوّ المعتدَل، حيثُ لا حاجة للمياه الكثيرة أو للاستحمام اليوميّ، ربمَّا الاستحمامُ اليوميّ هو نوعٌ من أنواعِ الترف هناك في البلادِ البعيدة، لكنّه الآنَ وهنا، سوفَ ينتابهُ قرفٌ شديدٌ من رائحة جسده بفعل الحرارةِ التي تُزيد من إفرازِ العَرَق بطبيعة الحال. يقولُ متأفِّفاً: 

النَّارُ الخارجيَّة يمكنُ لها بيُسرٍ أن تنسابَ إلى الداخل! يفكِّرُ وكأنَّه ينوي العودةَ، يستدركُ مرَّةً أخرى، ضارباً كفَّاً بأُخرى: 

النَّارُ.. النَّار….

الممرُّ الطويل المُنعِش:

آنَ ولوجي المبنى الكبير نسبيَّاً، غمرني الهواءُ البارِدُ، ثمّة أجهزةُ تكييفٍ تحاولُ جاهدةً أن تخفض حرارة المبنى، على الرغم من درجات الحرارةِ المرتفعة جداً في الخارج، أكادُ أسمع أحشائها الإلكترونيَّةَ وهي تجهدُ صارخةً في العمل الموكَلِ إليها من الصَّانع، لا بأس، فهم يكدّونَ لأجلنا، وهذا مُستحقٌّ بسيطٌ لا يمكن ذكره أو الالتفاتَ إليهِ مقابل الخدمات التي يسدونها لنا وساعات العمل الرسميَّة الروتينيَّةِ المُملَّة، تخيَّلتُ نفسي مكانهم، وذا ما أصنعهُ دائماً في أيَّامي، هذا ما حدّثت به نفسي الوهَنَة من الانقطاع المستمرّ للمياه في الحيّ الذي أقطنُ، فعلى مدى سنواتٍ ستٍّ خَلَت، أبتاعُ المياه من الصهاريج غير الصالحة للشرب وأحياناً غير صالحةٍ للاستحمام كذلك.

دخلتُ، وخرجتُ بخفيّ حُنين، عدتُ أدراجي مشياً محاولَةً منّي في رؤية أناسٍ يماثلونَني في هذا القيظِ والقحل على حدٍّ سَواء، عثرتُ فعلاً على من هم مثلي وأزوَد، أبصرتُ اللطفَ في وجوه سائقي التكاسي وهم يجرَّون المشاةَ جرَّاً إلى داخل العرباتِ الصفراء، يحثّونهم على عدم المشي تحت هذه الشمس اللاهبةِ المُبتسِمة بخبثٍ، تذكَّرتُ أيضاً الموظَّف البائِس وهو عائدٌ إلى منزله ليرى الظمأ في انتظاره، هكذا، رحلاتٌ مستمرَّةٌ في أحشاء هذا البلد، انتظارُ الخوفِ والبلاء والحرب وانقطاع كل شيء: السُبُل، المياه، الكهرباء، لكن مهلاً، الكهرباءُ تحسَّنت بكثيرٍ قياساً إلى السنوات الماضية، وذلك أمرٌ مبشِّرٌ، يشتكي الناس من انقطاعها، يغضبونَ، لكن الأمر فيه ذهاباً إلى المجهول، فالـ (شبكاتُ) -ولا أعي ما المقصودُ بهذه المفردةِ الغامضة-، تنهارُ فجأةً على إثر الحمل المتزايد للاستجرار! ذريعةٌ جيِّدة لكي ننامَ مطمّئنّينَ إلى أنّ كُلَّ عُطالَةٍ لا بدّ وأن تُجبَر فيما يلي من الأيَّام.

أواظبُ يوميَّاً على قراءة ما تكتبهُ الهيئةُ الموكَلةُ إليها أمور البحث والتقصيّ وإيجاد الحلول للكهرباء، فأرتاحُ بعضاً، أغضبُ لأن منهم من يموتُ وهو على رأس عمله، أمرٌ مرعبٌ أن يموت أحدهم فوق عمودٍ ناقلٍ للكهرباءِ اللعينة، أقولُ لضميري: «من الممكن جدَّاً أن يكون موت هذا الموظّف نابعٌ من انعدامِ درايةٍ بوسائل الحمايَةِ، وهذا ما يجبُ على أناسٍ ذوي خبرةٍ أن يتعاونوا، لكن يبدو أنَّ الأمر فيه صعوبةً لا نعيها نحنُ المواطنين». 

دائماً أسألُ نفسي وأجاوبها، أكادُ أنفجرُ من الأسئلةِ الملحَّةِ التي لا يمكن لأيِّ أحدٍ الإجابةَ عنها، قد أتعثَّرُ بأجوبةٍ في تقارير صحافيَّةٍ أو (بوستٍ) لأحد المعلّقينَ والمعلِّلين، أحملُ كتاباً ما مخمِّناً أنّني سوف أعثرُ على أجوبةٍ كما جرت العادة في أحوال القراءةِ وحثِّ الفلاسفةِ الدائم على إيجاد ردودٍ شافيَةٍ في بطونِ الكُتب.

سرقةُ الماء: 

لم أتخيَّل يوماً ما في سنيّ عمري كاملةً أن أسرقَ أو أن يتجرَّأ أحدهم على سرقة الماء! ولكن كيف ذلك؟ الأمر بسيطٌ للغايةِ، فحين يفكِّرُ الإنسان بذاته فقط، أو ما يطلَقُ عليه اصطلاحاً بالـ أنانيَّة، ينعدمُ التعجِّبُ، يمكن وضعُ التكنولوجيا الصناعيَّة في خدمة السرقة، وهذا أمرٌ ينسحب على العوَلَمةِ مثلاً أو خبث بعض العقول ودهاءِها في رسم بياناتٍ جليَّةٍ للسرقة حتّى وإن بدت للناظرِ من بعيدٍ غير ذلك، لا أعلم بالتحديد، سرقة كلِّ شيء، الأمرُ بالغُ التعقيد آنَ التفكيرِ به والغوص في تفاصيله.

وهذا ما فعله جاري ذات صيفٍ قائِظٍ، جلبَ آليَّاتٍ ليحفر بها الشارعَ الفاصل بين مبنانا ومبنىً آخر على الطرف الآخر، لمعت فكرةُ تساقطُ عرقهِ على الفأسِ التي بيده في ذهني، عاتبتُ نفسي، كيف أراهُ هكذا غارقاً في عَرقِه وأنا المتفرِّجُ من علٍ؟، هبطتُ لمساعدته، وتقديمِ يدِ العون في عمله المضني، قال أنّ الأمر بسيطٌ  للغاية وسوف تأتي المياهُ من مكانٍ ما لم يحدّدهُ لي!، فقط أشار بيده إلى مكانٍ مجهولٍ كمن يدلُّ طفلاً تائهاً إلى مكانِ والده الخياليّ.

صمتتُ، وانتهى العملُ على أحسن ما يرام، تدفقت المياهُ من المكانِ المجهول ذاته الذي أشرتُ إليه قبل هنيهةٍ، وصلت المياهُ إلى شرايين الطابق الرابع حيثُ أُقيم، لكن ليومين فقط، ومن ثمّ رأيتُ علامات الضجر باديةً على وجهه، فهو مَن حفرَ واستغفر ربَّه مرَّاتٍ عدَّة إزاء القيظِ الشديد والعمل المُتعَب، بقيتُ أواجهُ مصيري مرَّةً أخرى في أن أنتظر الصهريج ومزاج صاحبه المتقلِّب، لم أعي إلا بعد وقتٍ أنّ جاري سرقَ المياه!، سرقها في وضح النهار وكنتُ معه شريكاً، لا مجالَ في أن أتراجع عن قراري وقبولي لهذا الإجراء الذي فعلهُ وخادعَنا به جميعاً، أعطيكَ ماءً لأيَّامٍ فتسكتُ وتَرضى ومن ثمّ أحرمك منه لأسابيعٍ وأشهر لتنتظرَ الرحمةَ والإصلاحات، هذا ما جرى ويجري في أحياء عدَّة، أنا متيقِّنٌ من الأمر.

الحاوية: 

أُزيلُ فكرة الشكوى من دماغي بصعوبةٍ أو ربمَّا رغبةً مني في الإبقاء على هدوء الحياة وجمالها رغمَ القسوةِ اليوميَّة، أُهادنُ نفسي بالقول لها: «سيُقبِلُ أيلول ويأتي معه الماءُ كذلك مبتسماً، فلتصبر وتتريَّث، لكن ماذا بخصوصِ القمامةِ التي أرعبتني؟».

أحملُ الأكياسَ وأدنو من الحاويةِ، يهمس ماردٌ في أُذني: «لا ترمِها في قاع الحاوية، إنَّما حولها!»، أهربُ من الصوتِ لكنني أُبصِرُ مشاهدَ الأكياسِ القاتمة المفتوحةِ على مصراعيها حول الحاوية، أصارعُ المارِد ولكن أفشل، لديه ما يكفي من التفاسير كي يُقنِعَني، هل أنتَ نبيٌّ مثلاً حتى تكون مختلفاً عن أقرانك.

ثمّة شيءٌ ما سينفجرُ في وجهك وتغدو خبَراً في الصحف، أُصارعه وأُصارعهُ وأبقى كذلك، أُغمِضُ عينيَّ على الحياة وأتذكّر خلال ثوانٍ قليلةٍ ما مرّ بي وكأنّها اللحظةُ الأخيرةُ في فيلمٍ ما، ثوانٍ وينتهي كلُّ شيء، أنجحُ في طرد المارِد ورمي القمامةِ في مكانها المخصَّصِ لها، وأبقى أفكِّرُ في أقراني الذين غلبهم المارد نفسه الذي راوَدَني قبل قليلٍ، كيف لهم أن يضعفوا أمام قَرنين خياليَّيَن؟!، أُجاوبُ كما جرت العادة: 

  • خَلَقنا لأنفسنا مَردَةً ليسَ بمقدورنا قتلها بسهولةٍ. 
إغلاق