النّزوحُ من “سري كانييه”.. قصّةُ الهروب المَرير نحو المَجْهول

بخيوطٍ حمراء وأُخرى بيضاء مصنوعةٍ من الصّوف، طرّزت “أم روند” 35 عاماً اسم “سري كانييه” باللغة الكردية على قطعةٍ من القماش، ثمّ علّقتها في البيت الذي يأويها وزوجها “آزاد آيانه” مع أطفالهما بمدينة قامشلو، بعد أن نزحوا من مدينتهم “سري كانييه”، عَقِب  هجوم الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المُسلّحة نهاية اكتوبر تشرين الأول 2019.

بعد رحلةٍ شاقة مليئةٍ بالخوف، وصلَ “آزاد آيانه” 40 عاماً، مع عائلته وعشرات العوائل الأخرى إلى مدينة الحسكة التي شَهِدت موجة نزوحٍ كثيفة.

«من شدّة ألمِ التهجير والفرار تحت أصوات المدافع وقصف الطائرات وقسوة المشاهد على طول الطريق، تمنيتُ أن نموت»، يقول “آيانه” لـ (شار) ويُضيف: «كنا مُتّجهين إلى المجهول، لا مكان يأوينا ولا بر أمان لنا، ربما الخلاصُ لي ولعائلتي؛ أفضل من حياة الحربِ ورحلات النزوحِ المتكررة والعيش تحت رحمة هذا الصراع الخبيث».

عندما شنّت تركيا العملية العسكرية، لم يترك “آيانه” منزله وبقي في المدينة، ظنّاً منه أن تهديدات تركيا ليست جديّة، لكن في اليوم التالي، اضطرّ للفرار برفقة عائلته وعوائل أخرى إلى خارج المدينة.

«في اليوم الثاني من القصف، بدأت الخلايا النائمة بالظهور  وهاجمت بعض حواجز الأمن الداخلي (الآساييش)، حينها عرفت أن الوضع لم يعد يُحتَمَل، أعطيت لأولادي أكياساً لحمل أغراضهم الضرورية على عجل وخرجنا من المدينة بسيارة أحد الأصدقاء»، يؤكّد الرجل الأربعيني وقد بدا عليه الحزن وهو يتحدّث عن ظروف هروبه.

وضعٌ مأساوي 

وصل آلاف النازحين من مدينتي “سري كانييه” و”كري سبي” إلى الحسكة، دون أن يكون هناك تحضيرٌ لاحتواء الوضع الكارثي، سواء من جانب الإدارة الذّاتيّة أو المنظمات الإنسانية.

كان النازحون يفترشون الشوارع والأرصفة وينامون داخل سياراتهم الخاصة، ومنهم من وجد مأوىً عند بعض الأقرباء أو الأصدقاء لفترةٍ من الزمن، أما القسم الأكبر؛ فلجأ للإقامة في المدارس التي تحوّلت فيما بعد لمراكز إيواء، والقلّة القليلة استأجرت منازل.

«كان الوضع مزرياً وصعباً جداً، من ناحية غلاء المعيشة إلى صعوبة الحصول على المياه، لكن بعد مرور ثلاثة أشهر على نزوحنا، توجّهنا إلى مدينة قامشلو بعد أن حصلنا على منزلٍ بالمجان من بعض الخيّرين» يقول “أبو روند”.

المبادراتُ الإغاثية الفردية أكثر فعّالية 

منذُ موجة نزوح أهالي “سري كانييه” إلى مختلف مدن شمال شرقي سوريا، أطلقت مجموعاتٌ شبابية، خاصةً المتواجدين منهم خارج سوريا، حملات لجمعِ تبرّعاتٍ مالية  وإرسالها للنازحين.

أما المنظمات المدنية، فتوجّهت نحو مراكز الإيواء والمخيمات في الحسكة لتقديم جزءٍ من المساعدة المرجوّة، أما مَنْ استأجر منزلاً أو كانت إقامته عند أحد أقاربه، فلم ينل من تلك المساعدات أيّ شيء، في وقتٍ كان جميع النازحين، دون استثناء،  بحاجةٍ للمساعدة أياً كانت نوعها.

«لم نتلقّ سوى ثلاث حصص من مساعدات فقط، والسلة الغذائية المقدّمة من برنامج الأغذية العالمي (WFP)، نصفها غير صالحة للأكل، ومع ذلك لا تصل إلا لقليلٍ من النازحين، والحجّة دائماً هي أن الأسماء تأتيهم من مكتب شؤون المنظمات ويجب التقيد بها»، يقول “آيانه” لـ (شار).

ويؤكّد أن الإدارة الذاتية «لم تُقدّم لهم شيئاً لغاية الآن، حتى برميل المازوت الذي وعدتنا به مجاناً الشتاء الفائت، لم نحصل عليه».

تصوير: شيلان شيخ موسى

انسحابُ المنظمات الدولية تسبّب في زيادة المتاعب

معظم  المنظمات الدولية، فَرّت من شمال وشرق سوريا، مع بدء الهجوم التركي، لتقع كل المسؤولية على عاتق المنظمات المحلية التي تعاني أصلاً من قلة الموارد المالية.

«لم يكن أمامنا سوى تغيير خطة مشروع المنظمة، بهدف الاستجابة الطارئة لإغاثة النازحين، وحاولنا إقناع الجهات المانحة بضرورة التوجه لمساعدة النازحين»، تقول “جيلان عبدالله” منسقة مشاريع في منظمة (بيل) المدنية بمدينة قامشلو.

وتُضيف في حديثها لـ (شار)، «بسبب كمية المساعدات المحدودة، أُجبِرنا على توزيعها وفق العوائل الأكثر حاجة، بعد الحصول على قوائم من المجالس المحلية (الكومينات) ومكتب شؤون المنظمات، وفيما بعد توجّهت جميع الجهود إلى المخيمات ومراكز الإيواء».

من جانبها، أوضحت “أمينة عيسى” إدارية بمكتب شؤون المنظمات في حديثها لـ (شار): «بسبب قلّة كمية المواد الإغاثية التي تقدمها المنظمات، نضّطر إلى اختيار أسماء العوائل الأكثر حاجة، وعندما نتفاوض مع المنظمات على إمكانية زيادة الكمية لاستهداف جميع النازحين، يعزون ذلك بسياسة التمويل ولأسباب أمنية لا يتوجّهون إلى مدينة قامشلو، وأن عملهم مقتصر فقط على مراكز الإيواء والمخيمات».

بينما يدعو “آزاد آيانه” الإدارة الذّاتيّة ومنظمات المجتمع المدني، للنظر في سياساتهم وتقديم المساعدات للنازحين ضمن المدن والبلدات أيضاً، مثلما يقدمونها للمخيمات، «فنحن الآن نعيشُ على مساعدات أهلنا في الخارج، ودون ذلك، قد نجد أنفسنا على أبواب الهجرة مثلما فعل قبلنا كثيرين».

تُوضّح “عيسى” لـ (شار)، « نحاول جاهدين تقديم المساعدة للجميع، ومؤخراً فرضنا على إحدى الجمعيات الشركاء مع (WFP) أنْ تستهدف العوائل الأرامل والأيتام شهرياً بسلالٍ غذائية».

من جهتها، تقول “عبدالله”: «منظمة (بيل) محلية تعمل في المجال المدني وليس الإغاثي، ولا نستطيع تقديم وعود إلى المُستضيفين في المدن، وبالتأكيد ستكون هناك مساعدات إغاثية خلال فصل الشتاء، وسنحاول توجيه واستقطاب الجهات المانحة إلى استهداف هذه الفئة، لكن لا يوجد شيء موكّد حتى الآن».

رغم تعاون جميع الجهات الإنسانية والمبادرات الفردية لتخفيف معاناة النازحين، إلا أن أوضاعهم المعيشية تبقى صعبةً للغاية، ولا يمكن الاستمرار في سدّ كامل الاحتياجات في ظل انتشار فايروس كورونا، والحاجة لتدخُّلٍ دوليّ، باتت ملحَّة اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى لإنهاء معاناة أهالي “سري كانييه” ومنع حدوث مآسٍ جديدة.

إغلاق