روسيا.. من جمعيّة المناطق إلى جمعيّة مذكّرات التّفاهم

لا تستطيعُ روسيا التّخلّص من عُقدةِ التنافس الروسي الأميركي التي وصل عمرها حالياً لما يقارب القرن. هذه العقدة التي بدأت من بداية القرن الماضي، وحوّلت العالم إلى كتلتين متخاصمتين من المفترض أن خصامهما قد تبخّر بسقوط المنظومة السوفياتية في بداية العقد الأخير من القرن الماضي. 

هذا الأفول، لم يُعرَف مصيره بعد، تتدفّق الدماءُ إليه مع كل استفاقةٍ روسية في المحفل الدَّولي والمحلي، هذه الاستفاقة هي التي دفعت بموسكو إلى التدخل في سوريا عسكرياً، والحفاظ على حليفها من الانهيار بعد تقلّص دائرة سيطرته. 

وهي ما تدفع روسيا للظهور في كل نقطةٍ لواشنطن فيها نفوذ، والعمل على إزعاجها قدر الممكن، هذا الظهور كان واضحاً من خلال رؤية العالم لمشاهِد التسابق العسكري الروسي الأميركي على مناطق شمال شرقي سوريا، وغيرها من المناطق السوريّة، خاصة التي كان لتنظيم «داعش» موطِئ قدمٍ فيها. 

يعتمد الظهورُ الروسي كثيراً على التقليد الشامل لما تقوم به واشنطن في عمومِ سوريا، هذا التقليد بين الطرفين؛ هو بالأساس شيءٌ من آليات العمل المُعتادة للدول التي تتدخّل في ما بعد حدودها الرسمية، لا يوجد شيء جديد بها. 

لكن الأمر المثير للانتباه، هو درجة التنافس والتقليد للطرفين تجاه العلاقة مع القوى المحلية على الأرض السورية، لا يوجد أي مسرح يظهر فيه التقليد السياسي والعسكري بين الطرفين كمسرح شرق الفرات الذي يديره حالياً الكثير من المُخرجين، وبسيناريوهاتٍ غير واضحة، ورديئة، وبممثلين متنوّعين. 

في الأيام الفائتة، كانت زيارة فريق مجلس سوريا الديمقراطية (مسد- الذراع السياسي لقوات سوريا الديمقراطية) لموسكو، وبصورةٍ غير متوقِّعة، حديث القنوات المحليّة المعنيّة بشؤون الصِراع في سوريا. يظنُ الكثيرون أن ظهور قادة(مسد) برفقة قادة حزب الإرادة الشعبية الذي يقوده “قدري جميل” في موسكو، هو تقاربٌ محلي لصالح توسيع الكتلة الموالية لروسيا سياسياً في سوريا. 

هذا التقارب، سبقته ضغوطٌ روسيّة كبيرة على (قسد) في شرق الفرات، بعد ورودِ أخبارِ عن صفقة نفط قسدية أميركية، وبعد تيقّن روسيا أن دفع  أميركا على المغادرة الكلية من تلك المنطقة هي عمليةٌ صعبة ومُعقّدة، وتعتمد أكثر على الشأن الداخلي الأميركي؛ أكثر من أنها تعتمد على السياسة التقليدية الخارجية السابقة في أميركا، والتي كانت ترتكز على التوسع والبقاء في كل منطقة يدخلها الجيش الأميركي قدر المستطاع.

لم يكن هناك شيءٌ من رفاهية الانسحاب المُبسّط بهذا الشكل الذي حقّقه ترامب، في روسيا هناك رفضٌ لتلك النظرة الجديدة عن سلاسة القادة الأميركيين الحاليين بإصدار قرار الانسحاب من جغرافياتٍ معينة، إذ يعتقد الروس أن واشنطن تُفكّر في البقاء بها للأبد كما هي العادة التاريخية لهم. 

هذه الرّيبة الفائِقة للعادة، هي ريبةٌ لها أسبابها التاريخية، واستناداً لهذه الخلفية السياسية تجاه أميركا لدى الرّوس؛ يظهر تحرّكهم في المسرح السياسي السوري المليء بالمشاهد الدرامية، والحِراكات الصادمة للعادة. 

تراقب روسيا كيف أن واشنطن التي تحاول جر (قسد) إلى صفّها رغم الخسارات السابقة لها، فتُفعّل قواعدها الخاصة في اللعب مع قوات سوريا الديمقراطية، والجهات السياسية الممثّلة لتلك القوات.

في نفس السياق، كانت واشنطن تنظر إلى تركيا، وكأنها ممثلتها في الملف السوري، في حين جرّتها روسيا مستغلةً غرور القادة الأتراك إلى حضنها. كان الظهور المستمر لقادة ما تسمى المعارضة السورية في اللجان الدستورية، شيءٌ من هذا النمط المتعلّق بعملية سرقة المشهد. 

يحاول “جيمس جيفري” يائساً هذه الأيام في إعادة تفعيل الدور التركي في الملف السوري من منظور الرغبة الأميركية، ويحاول الرجل، إعادة الروح لملف المعارضة التي تحوّلت في الكثير من جوانبها إلى واجهة للمليشيات العسكرية المتطرفة في مناطق شمال سوريا. 

في هذا الخِضم، بقيت (قسد) قريبةً من واشنطن في الحرب على الإرهاب، وقضايا الإدارة المحلية. مع الوقت، وبعد أن تموضعت (قسد) في المنطقة الواقعة بين منبج، البوكمال والقامشلي، بدأ الغليان الروسي من رؤية وسماع العمليات العسكرية المشتركة الأميركية القسدية. 

هذه العمليات، دفعت موسكو لتفعيل قنوات الضغط التي بين يديها ضد قوات سوريا الديمقراطية، والتي تبدأ بالتلويح بالعقاب التركي، وتنتهي بالحرمان السياسي في المشهد القادم للمفاوضات السورية. 

ظهور (مسد)، وبقيادة القيادية الكردية “إلهام أحمد” التي كانت حتى وقتٍ قريب في واشنطن، هي محاولة من (قسد) لتخفيف التوتر مع موسكو. إذ تُدرك أن روسيا تبحث عن سرقة الأضواء عندما يتعلق الموضوع بعلاقة أي طرف مع واشنطن في دولةٍ تعتبرها موسكو حليفتها التاريخية في الشرق الأوسط كسوريا. 

هذه العلاقة المتوترة بين الدولتين الكبيرتين، والرقابة اللصيقة للروس لشركاء واشنطن المحليين، دفعت (قسد) للقبول والمشاركة في تلك الحفلة الإعلامية التي كان “لافروف” نفسه يشارك بها. 

من الواضح أن العملية السياسية في سوريا لا تصل إلى حلّ، عُقمٌ فاضح مع وجود مسارات، وسياقات متضادة ومعزولة عن بعضها البعض، شيءٌ من الطُرُق التي تسير في مسالك لا تلتقي، ولا نهايةٌ واضحة لها. هذا جِزءٌ من لُعبة فَهمِ واقعِ الحال. 

يعلم الروس أن وفد (مسد) لن ولا يستطيع فك ارتباطه مع واشنطن التي تتموضع في نصف الجغرافية التي تديرها (قسد). شيءٌ من عدم القدرة الذاتية على التّمرّد مع عدم اليقين لدى (قسد) و(مسد) من العلاقة مع روسيا التي كانت لها الدور الرئيس في نكبة عفرين. 

واشنطن أيضاً كان لها دورها في نكبات (قسد) و(مسد) وفروعهما. لكن، الترضية التي تقوم بها (قسد) من خلال بعض الظهورات الإعلامية، هي عملية كسب الوقت وامتصاص الغضب وتخفيف المخاطر، وإن كان البعض الآخر يعتبرها تيهاً في البوصلة السياسية لها ولـ (مسد) أيضاً. 

لا يتوقّع الكثيرون أن تكون لهذه المذكرة التفاهمية بين الطرفين أيَّ دورٍ في تحطيم الجدران الواقفة في وجه دخول (مسد) إلى العملية السياسية واللجنة الدستورية، ولا يتوقع القادة المحليين أن تكون لتلك اللقاءات دوراً في إخضاع روسيا لمخالب تركيا في شمال سوريا.

لم يُسرّب، بعد الحدث، أيّ مصدرٍ عن أن روسيا في طريقها لتُلِين موقف النظام الرافض لهيكلية الحكم المحلي في شمال شرقي سوريا، رغم تبنّي روسيا نفسها لنهجٍ إداريٍ مقارَب لهياكل الحكم المحلي والذاتي الموجودة في شمال شرقي سوريا في بلادها المترامية الأطراف، والتي روّجت لها قبل سنوات تحت مسمى “جمعية المناطق”، والتي فيما يبدو تحوّلت مع التطورات على الأرض، إلى جمعية اللقاءات والتفاهمات الرمزية. 

إغلاق