التّطوّرُ التّاريخيُ لمفهومِ خِطابِ الكَراهية

يُعدُّ خطابُ الكراهية، واحداً من أكثرِ المفاهيم إشكاليةً في العصر الحديث، خصوصاً بعد تحوّل الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى ثنائيةٍ قيميّة تعرَّف إحداهما بالأخرى، وعادةً ما يفترض أنهما يجب أن تحكُما الدول الحديثة معاً. 

إذ لم تستقر الدول الديمقراطية (عداك عن الديكتاتوريات) على أسلوبٍ موحّد بينها على طريقة معالجة خطاب الكراهية، بل لطالما كانت مواقف الدولة الواحدة نفسها، خلال القرن ونصف القرن الماضيين، متأرجحةً بعنف بين اعتبارِ خطاب الكراهية حرية تعبير، وبين اعتبارها اعتداءً على الآخرين.

تعودُ الجذور التاريخية في التعامل القانوني مع خطاب الكراهية، إلى “مبدأ الضرر” الذي ربما يكون “جون ستيوارت ميل” هو أول من طرحه، وذلك في مقدمة كتابه (عن الحرية- 1865)، حيث يقول: إن «الغاية الوحيدة التي من أجلها يمكن استخدام القوة بشكلٍ مُحق على أيِّ فرد من مجتمعٍ متحضّر، بالضدّ من رغبته، هو منعه من إلحاق الأذى بالآخرين». 

في الواقع، تعود فرادة هذا المبدأ إلى حقيقة وروده في أشهر كتبه على الإطلاق والتي يدافع فيها، وللمفارقة، بحماسة شديدة عن حرية الرأي وحرية التعبير عن الرأي، ليس من منطلق مفاهيمي فحسب؛ وإنما من خلال إثبات فائدته العملية على المجتمع وعلى الأفكار المتصارعة معاً. 

كما تعود هذه الفرادة أيضاً، إلى حقيقة أن الغاية الرئيسة من كتابه هي تحديد نطاق “الضرر” نفسه، وبالتالي تقييد استخدام هذا المبدأ إلى أكبر حدٍّ ممكن، وهو المبدأ الذي لا يمكن إنكار دوره في نشأة فكرة القانون نفسها، والسابقة لـ “ميل” بالتأكيد. 

كان العصر الذي عاش فيه “ميل”، لا يُشبه عصرنا الحالي، هذا إن بقينا في بريطانيا حيث كتب أطروحته عن الحرية. إذ كانت العنصرية وقمع الآراء، ممارساتٌ متفشّية في المجتمع والدولة، وفقاً لمقاييسنا الحالية بالطبع. 

ففي ذلك الوقت، لم يكن يُسمَح مثلاً لغير المتدينين في بريطانيا بالإدلاء بالشهادة أو المشاركة في هيئة المحلّفين، كما كان القانون يُحاسِب مَنْ يوجّه “إساءة” إلى الكنيسة، وهي أمورٌ لا يمكن تصوّر تبنّيها في هذا العصر، إلا من قِبَلِ أكثر المجتمعات تخلّفاً. 

رغم ذلك، كان القرن اللاحق لنظرية “ميل” عن الحرية وقيودها، هو قرن انتشار الكراهية بأكثر أشكالها دموية وكان في الوقت نفسه القرن المؤسس لمناهضة خطاب الكراهية. 

فمنذ بداية ذاك القرن، ومع انتشار الإعلام، وَجَدَت الكراهية منابر أكثر وصولاً للتعبير عن نفسها، إلى درجة تخصيص صُحفٍ لهذا الخطاب، كصحيفة l’Antijuif (ضد اليهود) الفرنسية، ومثيلاتها في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، عدا عن المقالات في مختلف الصحف المحلية والتي كانت تُحرّض بشكلٍ واضحٍ وصريح ضد المجتمعات والأقلّيات الأخرى. 

هذا بالتأكيد إضافةً إلى صعود نجم الأحزاب السياسية التي تتبنّى الكراهية وتنشرها، كالنازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا وإسبانيا ومحاولتها الانتشار في دولٍ أخرى كفرنسا وبريطانيا.

ورغم وجود محاولات للحدِّ من انتشار خطاب الكراهية في المجتمعات الديمقراطية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، والتي يذكر “إريك بليج” إحداها في بريطانيا: «جاءت إحدى المحاولات القليلة للتشريع ضد الخطاب العنصري في عام 1936، عندما اقترح المشرّعون البريطانيون حظر التحريض على التحيز العنصري أو الديني في ضوء السلوك المثير لاتحاد الفاشيين البريطانيين بقيادة “أوزوالد موسلي”»، إلا أن أوروبا لم تُحارب هذا الخطاب بشكلٍ جدّي في تلك المرحلة؛ بل انتظرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتتحرّك على المستوى القانوني.

وباستثناء ألمانيا التي كانت السباقة في هذا المجال ومن أولى الدول التي بادرت إلى القضاء على هذا الخطاب بُعيدَ انتهاء الحرب، وذلك بشكلٍ أساسي عبر فرض الحظر القانوني على استخدام الخطاب النازي وتجريم استخدام رموزه، فإن الدول الأخرى انتظرت عقدين إضافيين بعد الحرب، رغم نتائجها الدموية والكارثية والتي انتهت بمقتل عشرات الملايين من الأشخاص، للتحرك ضد هذا الخطاب، والتي بدأت في بريطانيا عام 1965، وفرنسا عام 1972، من خلال إصدار أول تشريع يحدُّ من خطاب الكراهية الموجّه ضد فئات من الشعب بسبب أصولها. 

بموازاة ذلك، كانت الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين من أكثر الدول تشدّداً تجاه خطاب الكراهية، رغم أنها تبدو اليوم الأكثر تساهلاً معه. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، هي السابقة القانونية والمفاهيمية التي خطّتها المحكمة العليا عام 1942 بتطويرها لمبدأ (الكلمات المقاتلة)، والتي يكون «مجرد قولها يخلف جروحاً، أو تميل إلى أن تشكّل خطراً داهماً على السلام».

إلا أن المسارَين الأوروبي والأميركي، ما لبثا أن افترقا مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. فمن جهة، تراجعت الولايات المتحدة عن رؤاها السابقة بخصوص خطاب الكراهية لتحدّ عام 1969 من مروحة الأفعال المشمولة تحت جُرم التحريض، كما تراجعت المحكمة الدستورية عام 1978 عن قراراتها السابقة بخصوص (التشهير الجماعي)، وأبطلت قانوناً كانت قد أصدرته ولاية “إيلينوي” وينصّ على تجريم خطاب الكراهية. 

في المقابل، كانت أوروبا تسير بخطى حثيثة نحو مزيدٍ من القيود التي تحدُّ من التعبير عن الكراهية، إلى أن وصلت بشكلٍ متفرق في تسعينيات القرن الماضي إلى قوانين تُجرّم إنكار الهولوكوست.

يمكن القول بثقة، إن معظم النقاشات حول مبدأ الضرر، إنما جرت وتجري في الدول الديمقراطية التي تنعم بحرية التعبير عن الرأي، والتي يدل نعيمها هذا على أنها لم تغفل عن أخذ هذه العبارة في سياق غايتها الحقيقية. 

لذا يستمر اليوم النموذجان الأميركي والأوروبي في المضي بمسارَين مفترقين لسببٍ رئيسي، هو صعوبة وضع حد واضح بين معاقبة خطاب الكراهية، بوصفه مسبباً لضرر يطال الآخرين، وبين معاقبته بوصفه تعبيراً عن رأيٍ مختلف. 

فإن كان يسهل علينا اليوم إدانة التمييز ضد غير المتدينين والعقوبات ضد المسيئين للأديان بحجة أن آرائهم وتعبيرهم عن آرائهم لا تلحق ضرراً فعلياً بالآخرين، وأنه ضرر متخيل ناتج عن غطرسة الأديان وعدم تحمّلها أصواتاً مناهضة لها، فإن هذا النقاش ذاته يُستخدَم اليوم في الدفاع عن مُمتهني خطاب الكراهية ضد الآخرين بحجّة أن ضرره إنما ضررٌ متخيل ناتج عن غطرسة إيديولوجيا «التعددية الثقافية» وعدم تحمّل اليسار الراديكالي لأيِّ أصواتٍ مناهضة.

إغلاق