القِراءةُ حينَ تُشكِّل فارِقاً في حَياةِ الأفرادِ والمُجتمعاتِ

تُشيرُ إحصاءات المُنظّمة العَربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم /آليكسو- Alecso/، إلى أن العالم العربي يُصدِر كتابين، مقابل كل مائة كتاب يُصدَر في دول أوروبا الغربية، وهذا المؤشّر ينقلُنا لطرح أسئلةٍ عن الفروق الحضارية بين المجتمعات القارئة وتلك التي تندر فيها القراءة، إذ أن المقارنة بين المجتمعات القارئة وغير القارئة، هي إظهار التّفاضل ما بين مُجتمعٍ هادئ مُسالِم يَحتكِم للعِلم ويشيد بدور المعرفة ويواكب سير الحضارة، ومُجتمعٍ آخر يُظلَم فيه المُتعلّمون، ويُهمَل المُثقّفون، وتتسرّب منه العقول الواعية وتُهاجِر الأدمغة إلى أمكنةٍ أخرى قد تمنحها الأمان والانطلاق، المجتمعاتُ التي يقرأ سكانها في الحافلات والحدائق ومحطات الانتظار، والتي تمتلك على ناصية الطرق كُتباً للإعارة والقراءة، هي مجتمعاتٌ تنمو فيها ثقافةُ حقوق الإنسان ويشعر فيها الناس بالأمان ضمن عالمٍ مُضطرب.

لا بد من الإشارة هنا إلى أدوار المؤسسات التي قد تدعم القراءة أو تحجم أثرها، بدءاً من الأسرة التي ينبغي أن توجّه اهتمام الطفل للقراءة بمكتبةٍ منزلية تشغل رُكناً ثابتاً في المنزل، والمدرسة التي تولي اهتماماً أكبر بالقراءة الحرة، وتحديد آلياتها وفتح الطريق للطالب ليشُقّ سبيله عبرها.

فعمليةُ التّلقين المنهجي، تُفقِد الُمتعلِّم مَلَكَة النّقد والحُكم والاصطفاء، فهو بحاجةٍ لقراءةٍ ذاتية حرّة، إذ ستبقى القراءة النشاط المُحفِّز ومحور التحرّر من الاغتراب عن الذات والمجتمع، ومن هنا تأتي المفاضلة بين المجتمعات القارئة وغير القارئة، وتستند هذه المفاضلة على سلوك القراءة الجمعي وأدوار المؤسسات التعليمية والأكاديمية في تأصيل هذا السلوك وتنميته، وعدد الكتب التي تُطبَع وتُباع، والمنتديات والمعارض التي تُعقد والمحاور الثقافية التي تعالج أزمات الفكر والثقافة، تلك المجتمعات التي تتفوّق فيها حتى كُتب الاعترافات والسّير الذاتية والُمذكّرات المُتّسمة بالصّراحة والجرأة، على مجتمعاتٍ تَحظرُها وترفضها وتخافُ مواجهتها، لأنها مازالت مُنكفئةً على ذاتها، تخافُ الانفتاح؛ بل تخافُ المحاسبة التي تفرضها الذّهنيات المؤدلجة والتابوهات الاجتماعية المُنمّطة.

إذا ما انتقلنا من العام إلى الخاص، وتلمّسنا أَثَرَ القراءة على الأفراد واستطلعنا بعض الإحصائيات في هذا الصدد، نجدُ أن الفرد الأوروبي يقرأ بمعدّل ٣٥ كتاب في العام الواحد، والهند هي الأولى عالمياً من حيث معدّلات القراءة، وهذا ما كشفته معطيات صادرة مؤخراً عن مؤسسةٍ بريطانية مُتخصّصة في قياس درجة الثقافة العالمية، أما السعودية التي أطلقت وزارة الثقافة لمجموعة مبادراتها الثقافية في وقت العزلة خلال جائحة كورونا، فقد ارتفعت نسبة القراءة لدرجةٍ أُطلِق – عامُ القراءة – على ٢٠٢٠، ولكن ليس هناك إحصائياتٌ دقيقة وحديثة عن مُعدّلات القراءة، ولا توجد طريقة ثابتة وموثوقة لجمع البيانات إلا من خلال استطلاعات الرأي، وتسجيل زيارات المكاتب ونسبة شراء الكتب.

فالقراءة إذاً، عمليةٌ فكرية داعمة للصحة النفسية بالنسبة للأفراد، من خلال تعزيز التفكير التحليلي وتوظيف تجارب الآخرين، والاستفادة من أثر العلوم والآداب والفلسفات في بناء الإنسان الذي يبني بدوره الحضارة ويُعزّز القيم المجتمعية والإنسانية.

أَثَرُ القراءة- بلا شك- عظيمٌ جداً في الفرد، كونها شكلٌ من أشكال النشاط الفكري، تُحفّز التفكير الإيجابي، وتُخفّف الضغط والتوتر، بل إنها تُكسِب القارئ خيالاً تصالحياً وتجعله قادراً على تَفهّم مشاكله وأزماته، لأن كلّ كتابٍ يقرأهُ الإنسان يحصد من خلاله تجربةً بشرية من شأنها أن تَخلُق مرونة في التعامل حتى مع أقسى الظروف والمشاكل.

تبني القراءة ثقة الإنسان بنفسه، تُكسِبه الشخصية المتوازنة القادرة على التأثير والمستقطبة للاهتمام، تلك الثقة تدفعه ليكون أغزر قراءةً وأحسن منطقاً وسلوكاً، لأن ما ينتجه- منطوقاً أو مكتوباً- ليس مجرد كلمات ومرادفات قاموسية فحسب، بل إدراكٌ لما وراء الكلمة والمعنى، وتسلّحٌ بالاستنتاج والتفكير المنطقي المُحكم، إضافةً لاكتساب مزيدٍ من الرؤى والمعارف التي تتراكم، وقد تُشكّل مع مرور الوقت فلسفةً ثريّة تؤثِّر في المحيط، وتُسهِم في بلورةِ قيمٍ فكرية ومجتمعية يمتد أَثَرُها لأجيال.

قد نظلِم القراءة كثيراً عندما نُدرِجها تحت مُسمّى «هواية»، ونتناسى أنها سلوكٌ وممارسة، كما أنها أداة المعرفة الأولى التي تبني فكر الإنسان وقيمه وسلوكه، بل هي التّصوّف الذاتي ومحطة التفاعل الإيجابي مع الذات؛ لأنها تؤثّر في كافة مناحي الحياة، وتنتج شخصيةً مختلفة ذات حضور. 

هذه هي القراءة المؤثرة في حياة الفرد، خلاصةُ ثقافاتٍ وحكمةٍ وخبرة، ومنبعُ المعرفة الأول للإنسان، منبعٌ تتزوّد منه دون الحاجة لإمكانياتٍ ضخمة وأعباء اقتصادية، إذ لا تحتاج سوى لجوٍّ مناسب يحكمه الهدوء والعقل الواعي، لتتحوّل هذه الرغبة نهماً وشغفاً ومن ثم أداة تطويرٍ ومعرفة.

ومهما يكن من أمر، فإن أزمة القراءة هي انعكاسٌ لأزمة الثقافة بِرُمّتها، ومع القراءة الجادّة؛ ستبدأ ملامحُ آفاتٍ كثيرة بالتّلاشي.

إغلاق