«سوقُ الورّاقين» على أرصفةِ دمشق

 مُحاولاتٌ للعثورِ على طَوقِ النّجاة

لا تزالُ مكتباتُ الرّصيف أسفل “جسر الرئيس” وسط العاصمة السورية دمشق، تُقاوِم ما تتعرّض له البلاد من نكبات الحرب والفقر، فهناك يتجمّع باعة الكُتب القديمة، يحافظون على واحدٍ من أهمِّ مظاهر دمشق الثقافية، يَعرِفُها المثقّفون، الباحثون، الصحفيون والمهتمون بالقراءة عموماً، يَعرِفُها زوارُ دمشق العرب والسوريين من مدنٍ وبلدانٍ أخرى، لكن هذه المكتبات تعاني اليوم ما تعانيه المدينة من ذبولٍ واندثار.

رصيفٌ يأوي البُسطاء وقِبلةٌ للمُثقّفين

تُعدُّ بسطاتُ الكُتب المركونةِ تحت جسر الرئيس، من أشهر مواقع تجمّع بائعي الكتب في سوريا، منذ عام 2003. عندما تجمّع فيها عددٌ من باعة كتب الرصيف الذين كانوا منتشرين في منطقة (الحلبوني) و(التكية السليمانية) وغيرها، وتتميز هذه البسطات أو كما يسميها البعض بـ “سوق الوراقين”، ببيع الكتب المُستعمَلة والقديمة، حيث يمكن أن تجد لديهم كُتباً نادرة أو مفقودة، ويمكن لك أن تطلب عنوان أيَّ كتاب ليقوم صاحب البسطة بتأمينه بعد فترة، كما يفعل “أبو مهيار” أحد أقدم باعة السوق وأشهرهم، الذي تحدث لمجلة (شار) عن أوضاع هذه المهنة ومعاناة أصحابها من ظروف الأزمة في سوريا كما باقي المهن والمصالح.

«لا أعرف مهنةً أخرى سوى بيع الكتب، فعلى بيع هذه الكتب قضيت عمري، إلا أن أمور المهنة تبدّلت منذ سنوات، فلو أننا عملنا في مهنة أخرى؛ لحقّقنا دخلاً أفضل من هذا بكثير، نجلس 12 ساعة هنا مقابل أرباحٍ بسيطة لا تُعادل ثلث حجم أتعابنا، إلا أن اكتساب عادة القراءة من هذه المهنة وإحاطة أنفسنا بالكتب الجيدة، هو بمثابة بناء ملجأ نفسي يحمينا من مآسي الحياة، لا سيما في ظلِّ الظروف التي تمر بها البلاد»، يقول “أبو مهيار”، أما شغفه بالكتب والقراءة، فلا يتجاوز حفظ عناوينها وأسماء مؤلفيها وناشريها، ودوره كباقي زملائه من “شيوخ الوراقين” الذين يمتلكون أدوات المعرفة، يكون بتحويل بعض القراء للقراءة الجادّة.

تُشكّل هذه البسطات سوقاً رائجة للكتب التي تجمع بين الثمن الزهيد والندرة في الوقت نفسه، وتعتمد أساساً على الكتب القديمة والمستعمَلة في مختلف مجالات المعرفة، فيتردّد عليها بمحضِ العادة، عددٌ من المثقفين والطلاب للظفر بكتبٍ رخيصة أو نادرة.

«معظم الكتب يبيعها أصحابها بعد الانتفاع بها، أو نشتريها من ورثة الكتّاب والأدباء، وبالتالي فهي فرصة للمواطن البسيط، الذي يسعى للقراءة والاطلاع مع ضيق ذات اليد»، يؤكّد “أبو مهيار”.

ويُضيف: «نحاول الحفاظ على هذا المكان رغم إفلاس معظمنا، إلا أنّه لم يعد للكتاب أهميته في بلادنا، إما أنّ المهتمين هاجروا أو ليس لديهم القدرة على الشراء، كما أنّ الظروف التي فرضتها الحرب، مثلها كانتشار فايروس “كورونا المستجد” في سوريا، غيّرت من سلوكيات القارئ، حتى أحجَم عن شراء الكتب ليوفّر المال لشراء الاحتياجات الأساسية التي ارتفعت أسعارها كثيراً».

عزوفٌ عن القراءة أم عبءٌ إضافي؟

توضّح “مناهل السهوي” شاعرة مقيمة في دمشق: «أعتقد أن إهمال القراءة كان موجودا دائماً، لكنه تزايد بشكلٍ أكبر مع الأزمة السورية وهذا أمرٌ طبيعي زمن النزاعات والحروب، لكن المشكلة تكمُن في أنّ أجيالاً تكبر اليوم دون أن تقرأ، وقد يكون الوضع الأمني غير المستقر أحد أسباب تراجع نسبة القُرّاء،  فلا يستطيع أحد القراءة وهو هارب من القصف مثلاً، أيضاً الوضع الاقتصادي يُعدُّ سبباً آخر، إذ باتت الكتب غالية الثمن وتُشكّل عبئاً إضافياً على أعباء العائلة، وقد يكون تفكير الشخص بتأمين الطعام أو أيّ غرضٍ آخر لأفراد أسرته، أهم من التفكير بشراء كتاب. ففي الحرب تتغيّر أولويات الأفراد وخاصة من لديهم عائلات وأطفال، فلا يمكن لهم القراءة وهم يعملون من الصباح حتى المساء ويعودون منهكين، ولا ننسى أنّ الكثير من الكتب لا تصل سوريا، والنُّسخ المُقرصنة منها بقيت أسعارها مرتفعة بالنسبة للسوري».

وتُشير “السهوي” في حديثها لـ (شار): «نحتاج مبادرات مجتمعية لتفعيل دور القراءة وحثّ الأطفال على مطالعة الكتب، قد تكون المبادرات قائمة على تبادل الكتب مثلاً أو إعارتها بأسعار رمزية وإخبار الناس عن أهمية القراءة وأثرها الإيجابي في تحفيز التفكير».

تصوير: هيلين علي

الحربُ السّوريّة أثقلت كاهل أصحاب البسطات:

منذ اندلاع النزاع ما بعد عام 2011، وبدء أهوال الحرب في سوريا، تأثّرت حركة النشر والقراءة في البلاد بشكلٍ كبير، فباتت العاصمة دمشق تشهدُ تراجعاً في وجود المكتبات، حيث غابت مكتبات عريقة وتحوّلت البعض منها إلى محال تجارية أو مطاعم، كما تقلّص عدد مكتبات الرصيف التي كانت منتشرة في العديد من مناطق دمشق حتى انحسر تواجدها في مساحةٍ واحدة فقط وهي تحت جسر الرئيس.

مشكلاتٌ عديدة ومختلفة ظهرت على مدار السنوات الماضية وزاحمت سوق الوراقين، حتى بات مطوَّقاً بالعديد من الباعة الجوّالين المُدمنين على تشغيل مُكبّرات الصوت والنداء المُتكرّر لجذب العابرين.

يَصِفُ “أبو العز” وهو أحد بائعي الكتب، معاناته مع المكان قائلاً: «تميزّت شريحةٌ كبيرة من باعة الكتب في الماضي، بكونهم أميين لا يعرفون القراءة أو الكتابة، ولكن بحدسهم، كانوا يعرفون قيمة الكتب التي بين أيديهم، ومع التطور، بات هؤلاء أصحاب وعي وثقافة، ونحن بدورنا اليوم نساعد بعض من روادنا المخلصين في إيجاد الكتاب المُناسب، إلا أن هذا يبدو صعباً أحياناً مع موقع السوق غير المناسب  وسط الضجيج والازدحام الذي يسبّبه الباعة وأصوات أبواق وسائل النقل، عندما لا نكاد أن نسمع حديث زبائننا وروادنا، مما يؤثّر سلباً على حجم مبيعاتنا».

لا يتوقّف الأمر في سوق الورّاقين عند هذا الحدّ، بل يفتقر المكان إلى الاهتمام والمظهر الجمالي المطلوب، حيث تُفتَرَشُ آلاف الكتب على الأرصفة، مُحمّلة بالغبار والأتربة وآثار دخان عوادم السيارات، ويضطرّ بعض الباعة إلى حماية أنفسهم وكتبهم من التقلّبات الجوية بألواحِ الصفائح الخشبية وبعض قِطعِ الأقمشة، كمظلّاتٍ تقيهم شمس الصيف وأمطار الشتاء.

«مؤخّراً، تغيّرت طبيعة مكتبات دمشق كما تغيّرت نوعية القُرّاء، فصارت التجارة أيضاً في الكتب الحديثة والجديدة، وأُدخِلت بعض المكتبات خدمة التصوير الضوئي لمساعدة القراء والباحثين»، يختم “أبو العز” حديثه لـ (شار).

تصوير: هيلين علي

إهمالٌ حكوميٌ مُتعمّد أم غير مقصود؟

يُقال، الكتابُ مرآة الشعوب، لكن هل يمكن أن يكون هذا المشهد الذي نراه أمامنا على أرصفة دمشق، سوق ثقافي ومرآة لهذه المدينة؟

عن ذلك يتحدّث الفنان الخطاط “طارق فاعوري” في سوق الوراقين بدمشق: «حجم الإهمال في هذا المكان مؤسف لدرجةٍ لا توصف، في حين يستحقُّ العناية من وزارة الثقافة التي ينبغي عليها احترام بائعي بسطات الكتب وإتاحة مكانٍ مناسب لهم دون ضرورة وجود تراخيص واعتبارها كمظهر ثقافي، كما هي مسماة بالأصل بـ “الشارع الثقافي”، وهي موجودة بكل الدول الحضارية في العالم بباريس، القاهرة وبغداد».

مُضيفاً: «الشارع الثقافي في دمشق، شارع معقول ولا يمكن الاستهانة به من ناحية القراء أو المؤلّفين عبر التاريخ، إلا أن المشكلة تكمن بإقامة مسؤولين ومحافظين ورؤساء بلدية غير مثقفين في دمشق، وهذه مشكلة حقيقية».

ويقول “فاعوري” في حديثٍ لـ (شار): «في هذا المكان عثرتُ على أمهات الكتب، حيث شكّل للكثيرين رافداً هاماً في تغذية المكتبات الشخصية من الطلاب والمثقّفين، لكن دون شك ساهم الواقع المعيشي والاقتصادي، كما الجوال والإنترنت، في جذب الفقراء للكتاب الإلكتروني، لكن هذا لا يُبرّر مشهد الإهمال في سوق الورّاقين من قبل الدولة».

يّعيشُ السّوريون انكساراً تلو الآخر، ويسودُ حياتهم ضيقٌ في العيش وضيقٌ في فُرَص التّعلّم والقراءة والاستمرار بالتغيير، إنّهم يُعدَمُون يوماً بعد آخر، آفاقُ الحياة التي ربما تُشكّل القراءة أكثرها عمقاً واستدامة، باتت ضيقةً، ومن ينظر إلى حالِ مكتبات رصيف دمشق، يعرِف تلك المعاناة التي يخضعُ لها السّوريون كي تستمر خُطاهم نحو النَّجاة.

إغلاق