عامٌ من اللااستقرار في زركان.. 

نزوحٌ دون عِنوان وحَياةٌ مُكبّلة بأملِ العَوْدة    

يَقِفُ “أحمد علي” (اسم مستعار) على تلة عالية في بلدة /زركان- أبو راسين/، مُتأمّلاً طريق قريته (باب الفرج) التي فرّت منها عائلته قبل عام، عَقِب هجوم الجيش التركي وفصائل المُعارضة السّورية المُسلّحة.

«لا يمكنني العودة إلى قريتي التي لا تبعد عني سوى 20 كيلو متراً، أليس ظُلماً ما يحدث لنا؟» يتسائل “علي”، ويتابع حديثه لـ (شار): «لازلتُ احتفظ ببصيصِ أمل للعودة إليها بأمان».

يعيشُ الرجلُ الأربعيني مُتنقّلاً بين بلدة “زركان” ومدينة قامشلي التي استقرّ فيها مع عائلته، بعد استيلاء القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني» على قريته، وتحويلها إلى منطقةٍ عسكرية.

عائلة “علي” واحدةٌ من مئات العوائل التي فرّت من منازلها، على وقع هجومٍ واسع شنّته تركيا مع فصائل سوريّة موالية لها في أكتوبر تشرين الأول 2019، والذي انتهى بعد أسابيع، بوساطةٍ أميركية واتفاقٍ مع روسيا، بسيطرة تركيا على مدينتي سري كانييه وگري سبي/تل أبيض والمنطقة الحدودية الممتدة بينهما بطول 120 كيلومتراً.

عامٌ من اللااستقرار:

خلال العملية التركية التي سُميت “نبع السلام”، سيطرت أنقرة وفصائل من «الجيش الوطني» على نحو 35 قرية تتبعُ لمنطقة “زركان”، بينما تتمركز قواتٌ حكومية في قرى أخرى تُعدُّ الخطّ الفاصل بين القوات التركية والمقاتلين الموالين لها من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى.

رغم مضي عامٍ على إعلان وقف العمليات العسكرية، تشهد بلدة زركان (أبو راسين) التي تبعد 30 كيلو متراً عن مركز مدينة سري كانييه في الجهة الشرقية، اشتباكات متقطّعة، فالقوات التركية والفصائل الموالية لها، لا تبعد عنها سوى كيلو مترين فقط، ما يتسبّب ذلك باستمرار حالة من عدم الاستقرار بالنسبة لسكانها من العرب، الكُرد، السريان، الأرمن والإيزيديين.

تردي الأوضاع الأمنية دفع “خضر العلي” أحد النازحين من “زركان”، ليعيش مُتنقّلاً بين البلدة ومدينة الحسكة، حيث تعيش عائلته منذ نزوحها في أحد مراكز الإيواء.

«الحياة في منطقة “زركان” صارت موحشة، دائماً ينتابني شعور الخوف والقلق على أطفالي بسبب أصوات الرصاص والقذائف، وعدم استقرار الأوضاع»، يقول لـ (شار).

ولا يزال الآلاف من سكان “زركان” نازحين عن قراهم، بمن فيهم المهنيون والأطباء، إما بسبب فقدان ممتلكاتهم أو خوفاً من الانتهاكات التي تطال المدنيين في القرى التي تقع تحت سيطرة تركيا والفصائل التابعة لها.

ويتّهم نازحون من المنطقة، المقاتلين الموالين لأنقرة بارتكاب أعمال نهب وسرقة ومصادرة منازل وتنفيذ إعدامات، وهو ما وثّقته منظماتٌ حقوقية دولية، من بينها (هيومن رايتس ووتش) و(منظمة العفو الدولية) و(لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن سوريا).

تصوير: سَلمان حَميد

احتجازٌ تعسّفي طلباً لفديةٍ ماليّة:

مع سيطرتها على قرى  “زركان”، اتّبعت الفصائل الموالية لأنقرة سياسة محاسبة غير الموالين لها وتوجيهِ تُهمٍ مختلفة لهم، أبرزها التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية أو العمل في المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية سابقاً، وفق شهاداتٍ حيّة كشفت لـ (شار).

من أبرزها، شهادةُ “محمد خضر” 18 عاماً من أهالي سري كانييه، الذي أكّد أن الفصائل المُسلّحة، احتجزته عدة أيام في قرية “مريكيز” شرقي المدينة، عَقِب دخولها إلى قرى (المطلة، جان تمر، مريكيز، الداودية، مضبعة، لزقة وباب الخير).

«جمعوا كل الشبان الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً وتعمّدوا ضربهم وإهانتهم، وإجبارهم على خلع ملابسهم وفحص أكتافهم، لمعرفة ما إذا كانوا قد حملوا سلاحاً أو ارتدوا سترة عسكرية فيما سبق» يقول “خضر” لـ (شار) وهو يتذكّر تجربة احتجازه.

وبحسب سكانٍ من المنطقة، فإن فصائل «الجيش الوطني» شنّت حملة اعتقالاتٍ واسعة عَقِب سيطرتها على القرى التابعة لـ “زركان”، تحت ذريعة التعامل مع الإدارة الذاتية، ونقلت عشرات المحتَجَزين إلى مراكز احتجازٍ في سري كانييه، كما طالبت عائلات البعض منهم بدفع فدى مالية مقابل الإفراج عنهم.

“عبدالله نايف” (اسم مستعار) من قرية “أم حرملة” شمال “زركان” احتُجِز برفقة ابنه ذو الـ 15 عاماً من قِبَل أحد فصائل «الجيش الوطني»، في الـ 4 من سبتمبر أيلول الماضي أثناء عملهم في أرضهم الزراعية على أطراف القرية.

يؤكّد الرجل الخمسيني، أن مُقاتلي الفصائل عمدوا، أثناء احتجازهم، إلى إطلاق النار لإخافتهم، ثم هددوهم بالقتل والتصفية، إن لم يدفعوا فدية مالية مقابل الإفراج عنهم.

«عشنا أربعة أيامٍ مليئةٍ بالخوف والذعر ، لم نكن نعلم كيف سيكون مصيرنا، دفعنا مبلغ 500 دولار حتى أفرجوا عنا» يقول “نايف” لـ (شار).

في وقتٍ، لا يزال مصير عشرات المعتقلين والمُختطفين مجهولاً، بعد رفضِ مُسلّحي الفصائل إعطاء أيّة معلوماتٍ لذويهم.

“علي السليمو” 24 عاماً، هو أحد المُختفين قسراً الذي بات مصيره مجهولاً،  رغم موافقة عائلته على دفع مبلغ 5 آلاف دولار قيمة الفدية المالية التي طلبتها الفصائل مقابل إطلاق سراحه، إلا أن أخباره انقطعت تماماً، ومنذ حينها لم يعرف ذووه شيئاً عنه أو عن مكان تواجده. 

نزوحٌ جماعي واستيلاءٌ على الممتلكات:

تُعدُّ بلدة “زركان” منطقة زراعيّة بالدرجة الأولى، حيث تبلغ مساحة الأراضي المزروعة أكثر من 3600 هكتار، بحسب مجلس البلدة التابع للإدارة الذاتية.

ومع سيطرة القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني» على سري كانييه وتوسّعها في ريفيها الشرقي والغربي، شَهِدت “زركان” موجة نزوحٍ كبيرة، بعد أن فرّ سكانها؛ تاركين خلفهم كل ممتلكاتهم، بما فيها حقول القطن الذي كان قد حان موعد قطافه، حيث أقدمت الفصائل على جني المحصول بأكمله وبيعه في تركيا عبر تُجّارٍ من هناك.

«نَجَوْنا بأرواحِنا بعد أن تَرَكَنا خَلْفَنا كل ما نملك من آلاتٍ زراعية وبذار ومحروقات، ولم يُسعِفنا الوقت لجني محصول القطن، ومَنْ نَجَحَ في جني محصوله، لم يتمكّن من بيعه؛ بل تركه خلفه، واستولى عليه المُسلّحون» يقول “أحمد علي” لـ (شار).

“علي” المُنحدر من قرية (باب الفرج)، لا يستطيع العودة إليها، بعد أن أقامت تركيا قاعدةً عسكرية فيها، في حين حَوّل مقاتلو «الجيش الوطني» منازل السكان إلى مقرّات عسكرية، فضلاً عن طردِ العائدين وتهديدهم بالمحاسبة تحت ذريعة التّعامل مع (قسد).

وفي القرى القريبة من خط التّماس بين القوات الموالية لأنقرة وقوات سوريا الديمقراطية، يوضّح “كاميران أحمد” من قرية (دادا عبدال) شمال بلدة “زركان” إنه لا يستطيع العمل في أرضه الزراعية التي تُعدُّ مصدر رزقه الوحيد، بسبب تردّي الأوضاع الأمنية.

يقول لـ (شار): «لا أستطيع المجازفة بحياتي ورزقي، فدائماً ما تندلع اشتباكات في تلك المنطقة، وتتسبّب في معظم الأحيان إلى اشتعال الحرائق في الحقول القريبة».

وتعرّضت مئات الهكتارات من المحاصيل الزراعية في أرياف بلدة “زركان” للتّلف بعد تعرّضها لحرائقٍ كانت في معظمها مُفتَعَلة، حيث اتّهم سكانٌ من المنطقة فصائل «الجيش الوطني» بإشعال النيران في محاصيلهم الزراعية بذريعة كشف المجال للرصد حول خطوط القتال في الجبهة الأمامية، في حين احترقت حقولٌ أخرى بسبب سقوط قذائف من الجانب التركي والفصائل الموالية لها.

إغلاق