بَحثاً عَن المَذاقِ الضَّائعِ

تتجوَّلُ المرأةُ الشابَّة في أنحاء المحلّ، باحثةً عمَّا يمكنُ أن تطبخه للعائلةِ الصَّغيرة، تتعثَّرُ بأسماء كثيرةٍ للبضائع الغذائيَّة الوافِدَةِ من غيبٍ، تقلِّبُ بأناملها الأكياسَ باحثةً عمَّا يمكنُ له سدَّ الرَّمَقِ، لا تعني ببحثها المضني ماركَةً أو نوعاً بذاته، سوى أنَّها تجهدُ في أن يكونُ المذاقُ كما كان عليهِ فيما مَضى، سوى أنَّها تفشلُ في الأمر. تعودُ خائبةً أدراجها نحوَ صاحب المحلّ سائلةً عن المذاق، يضجرُ البائعُ كما عادةِ الباعةِ في أخذِ الضَّجرِ وسيلةً لإخافة الزَّبونِ المُشتري، يحرِّكُ رأسهُ باحثاً عن جوابٍ حولَ سؤالِ المَذاق؛ فيعثَّرُ بأجوبةٍ غير مُكتملة، ولا يمكنُ لها أن تكتمل أنَّى حرَّك السؤالَ في دماغه.

في المَشي نحو المذاق، تتعثَّرُ المرأةُ الشابَّةُ كذلك مرَّةً أخرى، تختطفُ فكرةً قديمة من رأسها عن المذاقِ، فكرةٌ ما عالقة في مكانٍ قديمٍ صغيرٍ وضيِّقٍ داخلَ الذاكرة، فاسحةً المجال لصور الأواني الضَّخمَةِ الموضوعَةِ على نارٍ متَّقِدة، نارٌ تتغذَّى على روث الحيواناتِ المُجفَّف، روِّجَ عنها السرعةَ في الاشتعال.

لا تغادرُ حركةُ النساء حول الإناء المتفحِّم من كثرة تعرُّضهِ لسنواتٍ إلى نيرانٍ متَّقدة خيالَها، النِّساءُ اللَّاتي تربطنَ رؤوسها بقماشٍ رقيقٍ كي يمتصَّ عَرَقَ التعب المنهمرِ نهراً، يتفرَّجُ الرِّجالُ في الشَّارعِ على مستوى النِّيران، يقترب أحدهم من المياه التي على وشكِ أن تغليَ وتستعدَّ لاحتضانِ القمحِ الموضوع في كيسِ خيشٍ كبير، يثبُ إلى ذهن المرأةِ الشابَّة كذلك، همهمةُ النِّساء الوافدات من الحيِّ المُجاورِ في محاولَةٍ لوضع سلسلةٍ من التواقيتِ لاستعمال الإناء الضَّخمِ المتفحِّم، بعضهنَّ يتذمَّرنَ من تواقيتهنَّ التي حُدِّدَت بعدَ منتصف الليلِ، فيما الأُخريات تهرعنَ نحو البيوتِ بغية التجهيزِ والاستعداد للعمل بعد ساعتين أو ثلاث.

حينَ تصلُ المرأةُ الشابَّةُ إلى المنزل، تفكِّرُ في أن تستعيرَ من جارتها السبعينيَّة برغلاً طازجاً ذا مذاقٍ قديمٍ، فتُلغي الفكرةَ، تعاودُ التذكُّرَ، تثِبُ صورُ سحب الدلوِ المعبَّئِ قمحاً مسلوقاً يُفرَشُ على سطح المنزل الطينيّ ليُجفَّفَ منكمشاً على نفسه، مانحةً نفسها للاكتمالِ، تعودُ إلى الواقع لتفسِّر لنفسها سرَّ المذاق القديم، القمحُ كانَ يبتسمُ للإنسان الذي يتعامَلُ وفق أصول المذاق وأسراره العتيقة، القمحُ حين تهبهُ أنفاسَكَ وجهدكَ؛ لن يخذلَكَ، سيكونُ المذاقُ القديمُ ذاته متوفِّراً ليبقى على حالِه إلى أن يُستهلَكَ بأشكالٍ مختلفةٍ، برغلٌ مزيَّنٌ في الشتاءِ بثمرات البندورةِ، أو برغلاً مزيَّناً بدبس البندورة، أو حبَّاتُ قمحٍ كاملَة مدخَّنة ونصفُ مشويَّة، هكذا إلى ما لا نهايةٍ من أشكالِ المذاق المختلفةِ.

تبقى تفكِّرُ المرأةُ الشابَّة فيما آلَ إليه حالُ المَذاق في يومها الرَّاهِن، تتذكُّر فجأةً، حركةَ الشارعِ قَديماً، يُغلَقُ الشارعُ برمَّته من المقدِّمة والمؤخِّرة، شابٌّ عشرينيّ يقودُ عربَةً إلى منتصف الشارعِ، يضعُ الآلَةَ على الأرض، شادَّاً حبلين فوق بعضهما البعض نحو اليمين واليسار في الاتجاهين، تُقبِلُ العجينَةُ مستقرَّةً في إناءٍ بلاستيكيٍّ واسع، عجينٌ كانَ قد لعبت الأيادي المتشقِّقة بها حتَّى باتَت متعبةً، يُفرَغُ العجينُ في جوفِ الآلَةِ الصَّغيرة لتبدأ بالدوران عبر قضيبٍ معدنيٍّ مُثبتٍ في المنتصف، يدورُ الرجلُ وهو يدخِّن، ناظراً يبن الفينةِ والأخرى إلى تحت بطنِ الآلَة المثقوبَةِ ثُقُباً صغيرة، يخرجُ العجينُ المهروسُ على شكلِ شرائطَ ناعمةٍ حدَّ الرِّقَةِ، يقطعها بهدوءٍ ورأفَةٍ، ومن ثمَّ بحركةٍ رؤومةٍ وفجائيَّة في الآنِ معاً يرميها على الحِبال المشدودَة، يستمرُّ العمل هكذا إلى أن ينفَدَ العجين، وتبدأُ اللعبةُ مرَّةً أخرى وصولاً إلى النهاية.

تفكِّرُ المرأةُ الشابَّة في سرِّ رائحة قلي ذاكَ العجين، شيءٌ ما يشبهُ خيالاً زائلاً، أو طيفاً غابِرَاً، كيف يمكنُ للمرءِ أن يتذكَّرَ الرَّائحة؟! تسألُ نفسها مستغربَةٍ من انعدام تلك الرَّائحةِ القديمة واختفائها، لِم للرائحةِ أو المذاق القديم أن يختفيَا؟ هل القمحُ الآنَ ليس كما كانَ فيما مضى، هل يُحصَدُ بقسوَةٍ مثلاً حتَّى يكونَ المذاقُ مختلفاً؟! هل الآلَةُ ذاتِ الأحشاء مختلفة! تعودُ إلى الرَّاهِن، تسحبُ كيسَ خيشٍ، تقراُ المدوَّنَ: منتجاتنا لا تمّسها الأيدي، تُعيدُ الكيسَ إلى مكانه، قائلةً في سرِّها: لأنَّها لا تمسُّها الأيدي فسيكونُ المذاقُ القديمُ مختبئاً حتماً، لن ينفعُ البحثُ المُضني في الرَّاهن عن المذاقِ القديم، تبخَّر كما تبخَّر كُلُّ شيء ولم يبقَ له أيُّ أثرْ.

قبلَ بدء الشتاء، في نهاياتِ الصيف المُنهَكة، حيثُ أُجهِدت الشمس من كثرة اشتعالها المستمرّ طيلة أشهرٍ، تعودُ الرّائحةُ والمذاق القديمَين إلى الأنوفِ المُتخيِّلة! هكذا يخالُ إلى المرأةِ الشابَّة: أطفالٌ في طوابير منتصف الليل، بأيديهم صحونٌ صغيرةٌ، عيونهم ملأى برغبةِ الحصولِ على قمحٍ مسلوقٍ، ليدهَن بسمنٍ ويُرَشَّ عليهِ الملحُ، فيحيا المَذاقُ مجدَّداً، دون أن يعرفَ الأطفالُ أنَّهم الآن قد كبروا، حيثُ هربَ المَذاقُ، هربت الرَّائحةُ إلى بلادٍ أُخرى، بلاد الاستهلاكِ اليوميّ، بلادُ الغذاءِ المعُلَّبِ، بلاد اللامذاق واللارائحة، تغسلُ الرَّائحةُ نفسها متبدِّلَةٍ، ويغسلُ المذاق نفسه بعطورٍ جاهزةٍ معبَّأةٍ في قواريرَ أنيقَةٍ لا صلة لها بالرَّوائحِ العَطَرة.

تصوير: بيروز بريك

يضحكُ البائعُ من سؤالِ المرأةِ الشابَّةِ عن المذاق! يسخرُ من طوابير الاستهلاكِ اليوميّ للغذاءِ الذي: «لا تمسُّه الأيدي»، يتألَّمُ لحبسِ الفاصولياء البيضاءِ جاهزةً في علبٍ معدنٍ، لأسرِ القمحِ مجروشَاً داخل علبٍ ورقيَّةٍ أنيقَةٍ، يتذكَّرُ المرأة الشابَّة مرَّةً أُخرى، ليعي المُرادَ من سؤالها حول المذاق، لا يمكنُ أسرُ المذاقِ ولا الرَّائحة، إنَّهُ صنيعٌ فيه من القُبحِ ما يكفي.

في صورةٍ قديمَةٍ لوالدتها التي تبدو فيها سبعينَّيةً، تتفرِّجُ المرأةُ الشابَّةُ على أواني النّحاس المصفوفَةِ على سطح المنزلِ الريفيّ، في استعدادٍ لاستقبال البندورة بعد عصرها بالأيدي، يختفي الرَّاهِنُ، يعودُ الماضي كما كانَ، بوسامته وروائحه ومذاقه القديمِ ذاته، بحركةِ صاحب الآلَةِ ذات الأحشاءِ والثقوب من الأسفل، رائحةُ القَلي التي تنتشرُ في الأنحاءِ كعطرٍ قديمٍ وفاخِر، حبلُ العجينِ الطويل الذي يغطّي الشارعَ بأكمله، حركةُ الرجال فوق الأسطح وهم يسحبون الدلو المملوءَ بقمحٍ مسلوقٍ أشقَر.

تتهاوى السنواتُ أمام أعينِ البَشَرِ، تنتفي الروائحُ، ينتفي المَذاقُ، يُستعاضُ عن كلِّ ذلك بأكياسٍ معقَّمَةٍ مُحكَمة الإغلاق، أو مفرَّغةً من الهواء، وكأنَّ الهواء لم يكُ يومَاً هو سيِّدُ الطهيِ، سيِّدُ تثبيت المذاق على درجاتٍ متفاوتة. يمضي البشرُ هنا قُدُمَاً، -في الشمالِ المُتعَب- نحو المذاقِ المُعلَّبِ عديمِ الرَّائحة، نحو صنعِ الفشلِ في الطَّعمِ، يخدعهم الباعةُ في وضع اسمٍ محبوبٍ على الأكياسِ بغية أن يشتري المُستهلِك واقعاً في الفخِّ العظيم، المستهلكُ المغبون، ذاكَ الذي لا يمكنهُ البتَّة خداعَ ذاكرة والدته أو جَدَّته، لا يمكنهُ بأيّة طريقَةٍ أن يتفوَّه بالاسم المحبوب، مخادِعَاً ذاكرة الرَّائحةِ والمَذاق، الذاكرةُ مليئة، لا يمكن إفراغها مُطلَقَاً، ليسَ بمقدور صور الأكياسِ الأنيقَةِ المنشورةِ على الإلكترون خداعَ الجدَّة والعمَّة، لكن تستمرُّ الرِّحلَةُ في البحثِ عن مكانِ إقامَة المذاقِ القديم.  

إغلاق