على عُجالة، حَمَلت “نَجبير معصوم” وزوجها وأطفالها الأربعة ما يقدرونَ على حمله من الملابس ومَتاعِ البيت، لتَلُفّ بعد ذلك عدداً من البطانيات، وغادرت مُسرعةً منزلها في خِربة “جمو” الواقعة في منطقة تل تمر – أبو رأسين (زُركان)، في الحسكة شمال شرقي سوريا، بعد سقوط  قذائف على القرية  الواقعة على خطوط التماس بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري النظامي  من جهة، والفصائل السورية المعارضة المدعومة من الجيش التركي من جهة أخرى، والتي تُصعّد هجومها الصاروخيّ في القرى والبلدات المحيطة ببلدتي تل تمر وأبو رأسين بريف الحسكة الغربي والشمالي الغربي منذ العام الفائت.

وسقطت مَقذوفةٌ قُرب منزل “نَجبير” ٲجبرتها وعائلتها على قَطعِ مسافةٍ طويلة مع عشرات القَرويين ممّن غادروا منازلهم مُكرَهينَ في رحلة نزوحٍ ومُعاناة قد لا تكون الأخيرة في ظلِّ تصاعد العنف وتلاشي فُرص السلام. 

النزوح ٳلى “تل نصري” ومُزاولة الخياطة:

نزحتِ العائلة عند أحد ٲقاربها في مدينة الحسكة، تقول “نجبير” لـ (شار) إنهم بقوا نحو شهرين في ضيافة أقارب زوجها ٳلى أن تواصل معه أحد أصدقائه الآشوريين من إحدى قرى الخابور وهو مُقيم في السويد حالياً، عرض على الأسرة الفارّة الانتقال لمنزله في قرية ” تل نصري” /1/ كم جنوبي بلدة تل تمر غربي مدينة الحسكة، التي تدفّقت إليها عشرات العوائل النازحة من سري كانييه وكري سبي وعفرين.

وخلال أيام، كانت “نجبير” قد سكنت المنزل الذي سمح لهم صاحبه باستخدام جميع أثاثه وأغراضه، من ضِمنها ماكينة الخياطة الكهربائية وأدوات الخياطة  الخاصّة بزوجته، فلَمعَت ببال “نجبير” فكرة العودة لمزاولة مهنة الخياطة التي احترفتها من خالتِها وأعانتها على مواجهة شظَف العيش ومتطلباته، فـ “نَجبير” ككثيرٍ من النساء النازحات اللائي وَجدنَ أنفسهن وجهاً لوجهٍ مع تحدياتٍ ومسؤولياتٍ كبيرة، أجبرتهنّ على خَوضِ صراعٍ يومي لتوفير سُبُل العيش والحياة لعائلتها.

خياطة بثمنٍ زهيد:

خلف ماكينة الخياطة تحيكُ السيدة الثلاثينية تصاميمَ أثوابٍ تُناسب أذواق النساء القاطنات في القرية والقرى المجاورة، وتتقاضى أجراً زهيداً مُراعيةً الظروف الصعبة التي تعيشها العوائل النازحة من أغلب المناطق ٳلى (تل نصري) وعدد من قرى الخابور.

تقول “نَجبير” إن الخياطينَ في مدن قامشلو والحسكة يتقاضونَ أجوراً عاليةَ عن حياكة كل فستان تصل لأكثر من 40 ألف سوري، ما يُعادل  10 دولارات، بينما هي تقبضُ عن الفساتين التي تخيطُها  دولاراً واحداً، تقول: «الزمن جارَ علينا؛ فعلينا أن نُساند بعضنا إنسانياً ومعنوياً».

فألم النزوح وقساوته، لا يعبثان بأحلام “نجبير” في أن تصير خيّاطةً ماهرة، لأن ذلك يُدرُّ عليها بعض الأرباح، لكنها تُعلّق ضاحكة: «بالطبع لن تأتي إليّ فناناتٌ ولا سيداتٌ شهيرات، لكن الاعتماد على النفس أمرٌ مهم».

الإنسانية تغلب الحاجة:

«جئنا ٳلى تل نصري بسبب الحرب، وكان همُّنا الهروبَ منها، حاولت أن أعمل بأكثر من مهنة ولكن لم أُتقن أية منها، فقد كنت مُدرّسةً ولم أعرف سوى التدريس، واليوم أتعلم من “نجبير” مهنة الخياطة»، تقول “ألماظة” التي خسرت عملها وبيتها وقررت المغادرة مع زوجها وأطفالها الثلاثة من سري كانييه.

“ألماظة” المواظبة على جلب زبائن لصديقتها وجارتها الخياطة  والتعلم منها ومساعدتها، تؤكّد لـ (شار) أن “نجبير” «لا تتقاضى في بعض الأوقات أجر خياطة فساتين المسنات الأرامل واللواتي ليس لهنّ مُعيل رغم حاجتها لكل مبلغ قد تعيل به أسرتها، لكن إنسانيتها تغْلِب حاجتها ولا تشتكي من تأخير بعض النساء في دفع الأجرة الزهيدة بالأساس بالمقارنة مع أقرانها من أصحاب المهنة، لأن غالبية قاطني القرية من النازحين ويعتمدون في معيشتهم على المساعدات الإنسانية من المنظمات الإغاثية التي يصدف أن تدفع في السنة لمرة واحدة مبلغ 200دولار لكل عائلة والقليل منهن بِتنَ يعملنَ في الزراعة».

خدمات المنظمات لا تكفي:

من جانبها تقول “نجبير”، إن المنظمات الإغاثية التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرقي سوريا وأخرى تابعة للآشوريين، تُقدم خدماتها وتوزعها مُناصفةً على كل النازحين، لكنّ الحياة تحتاج ٳلى طبابة وملابس وشراء حاجيات خاصة وتعليم وأجور الانتقال ٳلى مدينة الحسكة أو قامشلو لزيارة أقاربٍ أو أصدقاء، وهو «ما دفعني ٳلى أن اجتهد في عملي لأقتات لقمة عيش عائلتي وأساند زوجي في تحمّل المسؤولية».

ومع انحسار المعارك في شمال شرقي سوريا وغربها بعد العمليتين التركيتين اللتين نفذتهما أنقرة ضد المناطق الكردية المُسماة بـ (غصن الزيتون) و(نبع السلام), بدأ المدنيون بالهروب إلى مناطق أخرى قد تبدو آمنةً نوعاً ما، وفي خِضم النزاعات التي أسفرت عنها الحرب، والتي أدت إلى نزوح عددٍ كبير من  المدنيين من مناطقهم، غالبا ما تكون النساء هن الفئة الأكثر تضرراً وسط أهوال الحرب، «تلجأ  غالبية النساء إلى تدابير يائسة في محاولةٍ للهروب من الفقر، بسبب النزوح والحرب وبعضهن ينجحنَ في عملهن بالمثابرة والجهد والتعب»، تقول “ألماظة”.

نساءٌ عاملات بالزراعة:

 “سامي يوحنا” من السكان الأصليين لقرية “تل نصري”، أكد لـ (شار) أنهم استقبلوا نازحي عفرين وتل أبيض ورأس العين بعد تواصلهم مع اللجان الآشورية الذين سمحوا بتوطين النازحين في تلك القرى وزراعة الأراضي التي تحيط بمنازلهم، فباتت النساء يعملن في الزراعة لتأمين مستلزمات عوائلهنّ وتحسين أوضاعهن بمشاركة أزواجهن في العمل.

وساهمت الحرب في إفقار ملايين السوريين، وخصوصاً النساء المعيلات اللواتي تعرض أزواجهن للقتل أو الاعتقال أو انفصلن عنهن لأسبابٍ مختلفة، وأدى ذلك إلى تنامي ظاهرة «تأنيث الفقر»، وارتفاع مُعدّلات الحرمان الشديد بين الأسر التي تقودها نساء، فغالبيتهنّ ينتمينَ إلى فئات اجتماعية محرومة من التعليم والتدريب، وبالتالي فهنّ يعملنَ في مجالات ذات دخلٍ متدنٍ.