عَقدُ الإِذْعان: المَفهومُ والخَصائِص

عَقدُ الإِذْعان، من العقود حديثة النشأة التي ارتبط ظهورها بالتطورات الاقتصادية المعاصِرة بعد بروز الشركات الكبرى التي استطاعت التّحكّم بإنتاج أو تشغيل قطاع معيّن أو احتكار توفير خدمة للجمهور. 

عموماً، يُعرَف عقد الإذعان بأنه العقد الذي يسلم فيه القابل المذعِن (كالمشتري أو العامل أو المؤمن) بشروطٍ مُقرّرة يضعها الموجب (كالبائع أو رب العمل) ولا يقبل مناقشته فيها، وذلك فيما يتعلّق بسلعةٍ أو مرفق ضروري تكون محلَّ احتكارٍ قانوني أو فعلي أو تكون المناقشة محدودةً بشأنها. 

وبذلك يختلف عقد الإذعان عن العقود الإرادية المعروفة، والتي تقوم على قاعدةٍ أصولية، جوهرها أن العقد شريعة المتعاقدين، وأن العقد يتم بتقديم الإيجاب من طرف والقبول من الطرف الثاني مع وجود المقابل أو الثمن، والعقد المتّفَق عليه، يكون نافذاً بقوّة القانون الذي يحمي الحقوق والواجبات. 

تتعدّد صُوَر عقد الإذعان، بحيث أن معظمنا قد يكون طرف قابل في إحداها، دون معرفةٍ مُسبقة بطبيعة العقد وصفته، ولا سيما أن هذه العقود تتعلّق بأمورٍ لا يُمكِن الاستغناء عنها، كونها صارت جزءاً من حياتنا المعاصرة. ومن هنا سنحاول بيان الطبيعة القانونية لهذه العقود وخصائصها وأشكالها.

الطّبيعةُ القانونيّة لعَقدِ الإِذعان: 

اختلف الفُقه في تكييف الطبيعة القانونية لعقود الإذعان، حيث ذهبت بعض الآراء إلى نفي الصفة التعاقدية عنها واعتبارها مجرّد مركز قانوني تنشئة الإرادة المنفردة للطرف الموجب، وهو ما يضفي عليها صفة القانون أو اللائحة.

بينما يذهب البعض الآخر إلى عدِّ عقد الإذعان عقداً حقيقياً يتم بتوافق إرادتين ويخضع للقواعد التي تخضع لها سائر العقود، وهو الرأي السائد.

ولكن ذلك لا ينفي تمتّع عقد الإذعان بمجموعة خصائصٍ تُميّزه عن غيره من العقود المعروفة قانوناً، وهذه الخصائص تتمثّل بخصوصية الإيجاب والقبول وطرفي العقد وطبيعة المعقود عليه، وفق ما يأتي:

خصائص الإيجاب في عقد الإذعان

يشترط في الإيجاب في عقد الإذعان:

• أن يكون موجّهاً إلى الجمهور أو إلى فئةٍ غير محددة. 

• أن يكون الإيجاب موحّداً وعاماً، فتكون الشروط متماثلة لا تختلف من شخصٍ لآخر. 

• أن يكون مُتضمّناً للشروط والبيانات الجوهرية الواجب معرفتها من الطرف المتعاقد.

• أن يكون مستمراً مدة طويلة.

بينما يشترط في القبول في عقد الإذعان:

• لا يحقّ للطرف المتعاقد المذعِن المساومة أو المناقشة في شيءٍ من شروط عقد الإذعان.

• للطرف المذعِن في عقد الإذعان، إما القبول أو الرفض فقط.

• إن الطرف القوي في عقد الإذعان، مُلزَم بالتعاقد إذا قَبِلَ الطرف المذعِن.

• لابد من توافق الإيجاب والقبول في عقد الإذعان كغيره من العقود لإتمام العقد.

وكسائر العقود الأخرى، يتوجّب أن يكون الباعث إلى إبرام العقد مشروعاً، وإلا كان العقد باطلاً لبطلان ركنه. أما المعقود عليه، فيجب أن يكون سلعة ضرورية، يتمتع الطرف الأول باحتكار عرضها بشكلٍ قانوني أو فعلي على وجه الاستمرار مدة طويلة،  مقابل الطرف المذعِن الذي ليس لـه سوى القبول أو الرفض فقط دون مساومة.

ونظراً لهذه الخصائص المميّزة، فإن المُشرّع عادةً ما يمنح القضاء سلطات أكبر إزاء عقود الإذعان التي تحتوي شروط تعسّفية، كسلطة تعديل أو إلغاء شرطٍ ما، أو تقرير ما يلزم لرفع الضرر عن الطرف المذعِن، إلى جانب وجوب تفسير العقد في حال الغموض لمصلحة الطرف المذعِن، على أن سلطة القاضي ليست مطلقة، بل مقيّدة بمراعاة قواعد العدالة والإنصاف.

تطبيقات عقد الإِذْعان

تتعدّد أشكال عقود الإذعان، وأقربها للأذهان، عقود الاشتراك في الخدمات العامة، كعقود التزويد بالماء والكهرباء وعقود الاشتراك في الإنترنت أو الهاتف، فهي عقودٌ نمطيّة مُعدّة سلفاً وليس لطالب الخدمة سوى التوقيع على العقد دون مناقشة. 

يضاف إلى ما سبق، عقود النقل عن طريق وسائل النقل العامة وعقود النقل الجوي والبحري وعقود البنوك والبطاقات الائتمانية، وعقود تأجير وبيع العقارات.

ومن أشكال عقود الإذعان الأخرى التي اختلف الفقه القانوني في توصيفها، وهي عقودٌ شائعة جداً في وقتنا الحاضر:

عقود العمل

وهنا يُميّز الفقه بين عقد العمل الفردي، وعقد العمل الجماعي. 

حسبما يرى البعض، فإن عقد العمل الفردي لا يمكن نعته بعقد الإذعان، بحجة أن المعقود عليه ليس من السلع أو الخدمات الضرورية التي لا غنى للقابل عنها، وأن انفراد الموجب في وضع الشروط والتفاصيل في العقد، والتي يوقّع عليه القابل دون مناقشة غير مهمة، إذ ليس من شروط صحّة الاتفاق أن يسبق العقد مفاوضة ومساومة، وجعل العقود على نمطٍ واحد تسهيلاً وتيسيراً على الطرفين.

وعلى خلاف ذلك، يذهب البعض الآخر إلى أن عقد العمل الفردي يُعدُّ من عقود الإذعان، ذلك أن المتعاقد المذعِن- وهو العامل- خاضع لشروط ربِّ العمل، كما أن العمل من الضروريات التي لا غنى للفرد عنها، ومن هنا تتوجّب أهمية حماية العامل في مواجهة ربِّ العمل الذي يمتلك القوة الفعلية لفرض شروطه بمواجهة العامل.

أما عقود العمل الجماعية الخاضعة لأنظمة وشروط النقابات والأحزاب العمالية، فلا يسري عليها الوصف السابق، لأن المتعاقد العامل في موضع قوةٍ تجعله على درجةٍ مساوية لربِّ العمل، في ضوء الحماية التي توفّره قوة النقابات والأدوات التي تمتلكها هذه الأخيرة لفرض شروط عادلة في العقد.

عقود التأمين 

تكون بعض عقود التأمين إجبارية، كما في حالة تأمين السيارات، ورغم تعدّد شركات التأمين التي يمكن للمؤمن إجراء العقد لديها، فإن الأمر لا يختلف، حيث يتوجّب توقيع العقد دون مناقشة الشروط المُعدّة مسبقاً من جانب شركة التأمين، فحرية المؤمن له مقتصرة على اختيار الشركة التي يريد التعاقد معها.

العقود الإلكترونية

يذهب جانبٌ فُقهي إلى اعتبار التعاقد الإلكتروني من قبيل عقود الإذعان، إذا كانت الشروط العامة للبيع مذكورة بموقعِ البائع حيث يكون للمشتري إما أن يقبلها أو يرفض التعاقد مطلقاً.

إغلاق