«عَجِزتُ وصديقي ذات يوم عن شراء سندويشةٍ لكلٍّ منا، لذا تشاركنا في شراء واحدةٍ فقط واقتسمناها»، بهذه الكلمات، برّر “محمد المشرف” فكرة افتتاح مطعمٍ متواضع ببلدته “تل كوجر” على الحدود مع العراق، وأطلق عليه سكان البلدة اسم «مطعم الفقير».

الاسم الذي اختاره السكان على المطعم، يبدو منطقياً؛ قياساً لطريقة البيع التي يتّبعها الشاب الثلاثيني، فهو مقتنعٌ «ببيع الكثير وربح القليل»، كما يقول.

فرغم عدم تمكّنه من إكمال دراسته في كلية الحقوق، لأسبابٍ اقتصادية، إلا أن ما يخفّف حزنه على مستقبله العلمي ويواسيه، هو «إدخال السعادة لقلوب الفقراء والمحتاجين»، ويقول: «الإنسانية لا تُدرّس ولا تُعلّم في الجامعات؛ بل يكتسبها المرء من الناس البسطاء».

من أرض مهملة لمطعم شعبي 

 (سندويشة الكباب بسعر سندويشة الفلافل 1000 ليرة.. وإن لم تستطع، فهذا مال الله)، عبارةٌ كُتِبت على واجهة المطعم، تُرحّب بالزبائن وتشجّعهم على ارتياده.

حادثة السندويشة التي تقاسمها مع صديقه، لعدم تمكّنهما من شراء اثنتين، ظلّت عالقةً في ذهن “المشرف” وبات يضع نفسه دائماً في مكان أناسٍ كثيرين مثله لا يستطيعون شراء ما كان يرغبه وصديقه ذات يوم، لذا كان مُصرّاً على مشروعه الذاتي بافتتاح مطعمٍ في بلدته، لبيع الكباب واللحم بأسعارٍ رخيصة ومنافسة لباقي مطاعم السوق.

بجهوده وجهود عائلته، نجح “المشرف” في تحويل مساحة أرضٍ مهملة ومهجورة كانت مكبّاً للنفايات، إلى مطعمٍ مسوّر بعيدان القصب والشادر، بعد تسوية الأرضية بطبقة من الإسمنت، ثم تأمين المعدات والأدوات الضرورية لإعلان افتتاح المطعم.

تصوير: غزال العمر

من هم روّاد المطعم؟

يرتاد المطعم الذي بات يُعرف إما بـ (مطعم الفقير أو القصب)، زبائنٌ من ذوي الدخل المحدود والعمال المياومين، لأنه يُلبّي احتياجاتهم بسعرٍ مناسب، إذ «بات تناول اللحم متاحاً للجميع، لانخفاض سعره مقارنةً بمطاعم البلدة»، يقول “المشرف” ويضيف: «أبيع 250 سندويشة يومياً، إضافةً لكمياتٍ كبيرة من اللحم النيء».

ويؤكّد لـ (شار): «أكسب أرباحاً مقبولة تكفي لتغطية مصاريف العمال وأجار الأرض ومستلزمات المطعم»، فهو مؤمِنٌ بفكرته ومستمرٌ بها، لأنّها تُشعِره بالسعادة والراحة، بحسب تعبيره.

للجوع والحاجة حكايات 

يتحدّث الشاب بأسى عمّا تراه عيناه داخل المطعم بين حينٍ وآخر، «فالجوع كافر والنفس تشتهي»، كما يقول. فهو لا ينسى عينَي ذاك الرجل الذي أوقف سيارته رفقة عائلته، لشراء سندويشةٍ واحدةٍ لوالدته العجوز، وعندما تفاجأ بالسعر المنخفض، بادر على الفور بشراء سندويشاتٍ لكل أفراد أسرته.

مثل هذه الحادثة وغيرها، تتكرّر على الدوام في مطعم “المشرف”، وفي كل مرة تعود به الذاكرة لحادثة السندويشة التي تقاسمها مع صديقه، لكنه يفرح كثيراً لأن ما حدث له في الماضي، لن يحدث مع أي شخصٍ يرتاد مطعمه.

أما “صالح حمود” 45 عاماً من سكان قرية “كرهوك” بريف “ديرك”، فيبدو سعيداً جداً لأنه يحظى بتناول سندويشة كباب بسعرٍ لا يحلم به قط.

«يحتم عليَّ عملي في العتالة بالمرور بشكلٍ يومي ببلدة “تل كوجر”، وقبل شهورٍ قليلة، دفعت 1000 ليرة، لم يكن بجيبي غيرها، ثمن سندويشة كباب اشتريتها من هذا المطعم، في حين عجزت عن شراء سندويشة الفلافل بـ 1200 ليرة في مطعمٍ آخر»، يقول “حمود” لـ (شار). 

ويؤكّد الرجل الخمسيني الذي أشاد بجودة اللحم ونظافة المطعم بأنه كان «يعجز عن شراء كيلو من اللحم، بسبب غلاء أسعاره، لكن بإمكانه اليوم شراء ولو غراماتٍ قليلة تقلل من الفترات المتباعدة التي لم يتذوّق فيها وأفراد عائلته قطعة من اللحم». 

رخص الأسعار  ومواجهة شكوك الناس

في بداية عمله، كان على “المشرف” مواجهة إشاعات بعض الناس ممن شككوا بصحة وسلامة اللحوم التي يبيعها في المطعم، سواء تلك التي يعتمد عليها في سندويشات الكباب، أو التي يبيعها نيئة، كل ذلك لأنه يبيع بسعرٍ أدنى من أسعار باقي المطاعم.

«أرواح الناس ليست رخيصة والطعام أمانة»، يقول صاحب (مطعم الفقير)، مؤكّداً أنّ المواشي التي يشتريها هي «من خيرة الذبائح وتخضع للرقابة التموينية والطبيب البيطري في المسلخ التابع للبلدة، وممهورة بالأختام النظامية التي تدل على صحّتها وخلوّها من الأمراض، أو محقونة بالحقن الوريدية».

مع ذلك، يرى “المشرف” أن شكوك الناس خلال الأيام الأولى من افتتاح المطعم، قد تكون أمراً طبيعياً، خاصةً أنه يبيع بأسعارٍ أقل من الأسعار الرائجة في البلدة، وحتى في المدن الكبيرة كالحسكة وقامشلي، فكيلو اللحم يُباع في الأسواق بــ 16500 ليرةٍ سورية، بينما في مطعمه لا يتجاوز سعره 12500 ليرة.

لا يَسْلَم الشاب الثلاثيني من رسائل وتعليقات الإحباط الصادرة من أصحاب المطاعم القديمة ومحلات بيع اللحوم، الذين غالباً ما ينبئون بخسارته.

«لا أسلم من تعليقاتهم ورسائلهم المحبطة التي تتنبأ لي بالخسارة،  لكن نظرات الشكر والامتنان من عيون الناس حولي وهم يحصلون على طلباتهم، تحفّزني وتزيد من إصراري على الاستمرار»، يؤكّد “المشرف” لـ (شار).