يمتزج الذَّوقُ الكُردي مع الأوروبي في تفاصيل منزلها، وعلى جدرانه المزدانة بصورٍ  لأفرادٍ من عائلتها الأوكرانية، جميعها تُعدُّ جزءاً من حياةٍ يومية بسيطة لـ “كاترينا” التي، رغم الظروف الصعبة، تصرُّ على البقاء والعيش في الدرباسية.

«أحلامنا شبيهةٌ بقطعة سكر سريعة الذوبان، سرعان ما ننسى ما حَلِمنا به البارحة، بسبب ظروف الحرب، مع ذلك نتمسّك بالحب الذي جمعنا لنقاوم وضع البلد الذي آل إليه»، تقول طبيبة الأسنان الأوكرانية  “كاترينا أناتولي” لـ (شار).

“كاترينا” التي تبلغ من العمر 41عاماً، تتأسّف على أطفال المنطقة ومستقبلهم المجهول، رغم ذلك تبقى على العهد في مواجهة الصعاب، تقول: «أنظر اليوم إلى المستقبل بعيون طفلَي “رسلان” 13عاماً، و”آلفينا” 8 أعوام، أريده مستقبلاً خالياً من الخوف والقلق».

قرار عدم الرَّحيل

في الوقت الذي يعاني فيه 60% من سكان سوريا حالياً، وفق الأمم المتحدة، من انعدام الأمن الغذائي، ورغم تضاعف حجم القلق الذي يعتري معظم السوريين مع استمرار سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية منذ أكثر من عشرة أعوام، ترفض زوجاتٌ من جنسياتٍ مختلفة مغادرة سوريا، واخترن البقاء إلى جانب أزواجهن السوريين ومواجهة متاعب الحياة معاً.

قبل نحو 17 عاماً، وُلِدَت قصّة حب بين “كاترينا” وزوجها في أكاديمية طب الأسنان بالعاصمة الأوكرانيّة “كييف”، عندما كانا طالِبَين في الاختصاص ذاته، وبعد تخرجهما وعودته إلى بلده سوريا بعامٍ ونصف العام، فوجئت “كاترينا” بدعوتها لمشاركته الحياة، كُللت علاقتهما حينها بالزواج.

لم تجد الطبيبة الأوكرانيّة صعوبةً في التّأقلم مع عادات وتقاليد البيئة الجديدة،  إذ بعد 15 يوماً فقط، كانت قد تعلّمت الكثير من مفردات اللغة الكردية التي ساعدتها على التواصل مع المحيطين بها.

«تخطّيت عوائق اللغة، بفضل استقبال أهل زوجي ومحبتهم وتشجيعهم لي على تعلّم عاداتهم، اليوم أشاركهم أفراحهم وأعيادهم وأرتدي الزي الكردي في المناسبات القومية، الناس هنا لطيفون جداً، ومن السهل التواصل وبناء صداقات معهم»، تؤكّد طبيبة الأسنان.

 

تقضي “كاترينا” معظم وقتها في عيادتها السّنيّة، يقصدها المرضى من كافة القرى والبلدات المجاورة، وتعتبر النجاح في مهنتها، هو «الدافع الأكبر في صمودها وبقائها في سوريا».

بالنسبة لها، لم تختلف الدرباسية عن مدينتها الأم، ولم تفكر يوماً بالرحيل، حتى في ظلّ الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها المنطقة، لم تختر الهجرة حلاً لإنهاء سوء الأوضاع، رغم سهولة مغادرتها مع امتلاكها جنسية البلد الأم، تقول: «سأرافق زوجي أينما يذهب، هكذا تبدو الحياة أجمل مع استمرار الرابط العائلي».

مضى 25 عاماً على إقامة الروسية “ناتاليا آرخيبوفا” في مدينة الدرباسية، منذ أن اصطحبها زوجها طبيب الأسنان، ومن حينها بدأت التأقلم مع حياتها الجديدة، بعد أن التزمت بعادات وتقاليد المجتمع الكردي، وفي الوقت ذاته، خلقت بيئةً خاصة داخل منزلها الذي يغلب عليه الطابع الروسي.

“ناتاليا” البالغة من العمر  50 عاماً، تعمل في صيدليتها الخاصة وتعتني أيضاً بابنها “رامان” 22 عاماً طالب في السنة الرابعة بكلية طب الأسنان، وابنتها “ميلينا” 15 عاماً طالبة في الصف الأول الثانوي.

  التأقلم الصّعب

تتذكر “ناتاليا” الأشهر الأولى من قدومها إلى سوريا، حينها لاقت صعوبات كثيرة، أولها اللغة، في ظلِّ غياب مدارس أو مراكز خاصة بتعليم اللغة الكردية للأجانب في منطقة الجزيرة حينها.

«كل شيء كان  ومازال مختلفاً وصعباً في هذه البلاد، ما يمنحني الصبر، هي علاقة الحب والتفاهم مع زوجي، وقضاء إجازة الصيف في روسيا»، تقول “ناتاليا” في حديثها لـ (شار).

وتضيف: «المجتمع الكردي محب ومتعاون، ومن خلال عملي في الصيدلية صار لدي معارف وأصدقاء، ساعدوني كثيراً في تطوير لغتي الكردية والعربية، كما منحوني القوة والصبر لتخطّي المصاعب».

تصوير: هديل سالم

أسبابٌ عديدة منعت “ناتاليا” من العودة إلى روسيا أو اللجوء إلى بلدٍ آخر خلال سنوات الأزمة، أهمها إصرارها على استمرار تماسك الأسرة وسعادة أفرادها، إضافةً إلى صعوبة تغطية مصاريف وتكاليف دراسة أبنائها خارج البلد.

تقول: «أمرٌ مُتعب وصعب في هذا العمر، البدء من الصفر بمزاولة المهنة وكسب ثقة الناس، بناء حياةٍ جديدة في مكانٍ آخر؛ أمرٌ مرهق، لذلك تبقى الحياة هنا أسهل من العيش في بلدٍ آخر».

حبٌ ثم زواجٌ في المغترب

تزوجت أكثر من 20 ألف فتاة وامرأة روسيّة برجالٍ سوريين يعشن مع أزواجهن في سوريا، بحسب تقريرٍ لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

حالات الزواج تلك، حصلت نتيجة سفر العديد من الطلاب السوريين إلى دول الاتحاد السوفييتي (سابقاً) التي كانت تقدّم مِنحاً دراسية  لطلاب الدول الحليفة لها، ومنها سوريا، ما كان سبباً في بناء علاقاتٍ بين الطلبة السوريين وأفراد المجتمع الجديد، وبفضل ذلك، تكوّنت روابط زواج بين آلاف الطلبة والطالبات الأجانب.

قصة السيدة الخمسينية “آلوكا” (اسم مستعار) لا تختلف عن سابقاتها، فهي الأخرى دفعها الحب للقدوم إلى سوريا، لكن بعد تفكيرٍ أخذ الكثير من وقتها.

مع ذلك، احتاجت إلى وقتٍ طويل للتأقلم، خاصة مع اختلاف اللغة والعادات وتغيير المناخ وحتى نوعية الطعام، لكنها تقول إنها تخطّت كل هذا بمساعدة زوجها الذي كان يتفهّم وضعها.

مثابرة وإصرار

“آلوكا” كانت تعمل في إحدى شركات الاتصال الروسية، لكن منذ قدومها إلى سوريا، تفرّغت للاهتمام بتربية أبنائها وتعليمهم اللغة الروسية إلى جانب العربية التي تعلّموها في المدرسة، والكردية التي اكتسبوها من البيئة الجديدة.

تقول لـ (شار): «ينظر الناس لأبنائي نظرةً مليئةً بالإعجاب، كون أمهم أجنبية ويتبعون عادات وتقاليد المجتمع السوري ولا يختلفون عنهم».

لم تجد الزوجة الروسية مشكلةً في اتباع عادات المجتمع الكردي، سواء في ملابسها أو تربية أطفالها، وبفضل الاختلاط اليومي مع المحيطين بها من عائلة زوجها ومعارفه، تمكّنت من تعلّم اللغة الكردية بطلاقة.

لم تندم “آلوكا” على بقائها في سوريا خلال سنوات الحرب، فهي غير قادرة على ترتيب حياتها من الصفر في مكانٍ وبلدٍ جديد من جهة، ومن جهة أخرى قررت البقاء إلى جانب زوجها (طبيب أطفال)، فطبيعة عمله ومكانته المرموقة في بلدته، كانت تقتضي منه عدم الهجرة.

«ما زاد من إصراري على البقاء، هم أبنائي الثلاثة وزواج ابنتي وإقامتها داخل سوريا، كان من الصعب عليّ التخلي عن كل هذا، رغم صعوبة العيش هنا، يبقى خيار الهجرة أصعب»، تؤكّد “آلوكا”.