قاطِعاً مسافات طويلة بحثاً عن الأمان، حمل “عمار عليوي” جدته المُسنّة رفقة أبنائه، وهو يمضي في الأراضي المُحرّمة بين قرية “عنيق  الهوى” الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، وصولاً إلى قرية “تل الورد”، بعد شهورٍ مريرة أمضوها تحت حكم الفصائل السورية التابعة للاحتلال التركي. 

انتهت رحلة النزوح الأولى مع استقرار أحوال “وضحة حماد” ٩٢ عاماً في قرية “تل الورد” جنوبي بلدة زركان، إلا إنّ التّصعيد العسكريّ الأخير  على المنطقة، أجبر المُسنّة على النزوح مرةً أخرى مع تدهور وضعها الصحي الذي تعانيه منذ ٢٠ عاماً، ما زاد من معاناة حفيدها “عمار” في حمل مسؤولية أولاده وزوجته من جهة، وجدته من جهة ثانية. 

تسبّب القصف التركي في الأيام الأولى على بلدة زركان _ أبو راسين، بنزوح نحو 6 آلاف شخص، هرباً من هول ما جرى، بعد نحو أربعة شهور من الهدوء والاستقرار.

فقدت الجدّة التّسعينية زوجها منذ ٣٥ عاماً، لتُكمِل حياتها مع أبنائها التسعة  (ذكور وإناث)، في قرية “عنيق الهوى” بريف ناحية زركان الجنوبي، إلّا أنّها خرجت من قريتها قسراً بعد سيطرة تركيا وفصائل سوريّة مدعومةٍ منها على منطقة رأس العين/ سري كانييه وريفها.

«تحتاج جدتي  إلى ثلاثة أشخاص لحملها من مكانٍ إلى آخر»، يقول “عمار عليوي” الشاب الذي أنهكه النزوح من قريته “عنيق الهوى” بريف بلدة زركان الجنوبي. 

مراكز الإيواء تزيد من معاناة النازحين

في إحدى المدارس بمدينة الحسكة، يفترش نازحون، جلّهم من الأطفال والنساء وكبار السن، الأرض بعد أيامٍ صعبة عاشوها تحت القصف التركي الذي طال بلدة زركان وريفها.

مئات العوائل النازحة تجمّعت في مراكز الإيواء المؤقتة بمدينة الحسكة وريفها، تمهيداً لنقلهم إلى مخيم نوروز في مدينة ديرك، رحلةٌ من شأنها أن تزيد من معاناة نزوحهم ورحيلهم، وتطيل البُعد عن قراهم. 

أما الجدة “وضحة”، فوضعها لم يكن على ما يرام، وهي التي تحتاج إلى اسطوانة أوكسجين بشكلٍ متناوب لضبط عملية التنفس، بسبب معاناةٍ طويلة مع مرض الربو، فضلاً عن حاجتها لأدويةٍ خاصة لتنظيم ضربات قلبها الضعيف أصلاً، وما زاد عن كل ذلك، مكوثها منذ أكثر من اسبوع داخل مدرسةٍ تفتقر لأبسط مقومات العيش.

عاشت “وضحة” في كَنف ابنها البِكر “عبدالرحمن عليوي” وحفيدها “عمار” الذي لم يتأخر عن تقديم الرعاية لجدته المُسنة هو وإخوته الأربعة، لكنّه كان الأكثر اهتماماً بها والأكثر حرصاً على رعايتها.

الرّاحةُ المفقودة

اكتظاظ المدرسة بالنازحين، وامتلاء كافة الغُرَف (الشُعَب الصفية)، كان سبباً بأن تحظى الجدة التسعينية بغرفةٍ (شعبة) صغيرة في ممرات الطابق الثالث، حملها أولادها وأحفادها وصعدوا بها إلى المكان الذي من المفترض أن تجد فيه بعض الراحة.

لكن بسبب ضيق المكان وتدهور حالتها الصحية، غادرت الجدة “وضحة” مكان إقامتها الجديد الذي يعجُّ بصراخ  الأطفال وضجيج النازحين وأحاديثهم عن الحرب،  ليستقرَ بها الحال في خيمةٍ ضمن حرم المدرسة، كانت أكثر راحةً بالنسبة إليها ولأولادها. 

التقدم في العمر، أفقد “وضحة” جزءاً من ذاكرتها، لكنها تستطيع التعرّف على من حولها وتخاطبهم بأسمائهم، كما تتذكر بعض مراحل حياتها رغم اقتراب عمرها من 100 عام.

على أرض باحة المدرسة  القاسية، جلست التسعينية “وضحة” منحنية الظهر بجانب خيمتها، تطيل النظر في الداخل والخارج، علّها تجد من يأتيها بخبرٍ يُطمئِن قلبه ببشرى توقّف القصف على قريتها، أو حتى سماع خبرٍ عن جهةٍ رسمية تتولى رعايتها، وتؤمّن لها أدويتها، لتخفيف العبء عن كاهل أبنائها.

لكن أكثر ما يقلق الجدة المُسنّة ويشغل تفكيرها، هو بناتها الأربعة، فثلاث منهن يعشنَ ظروفاً صعبة في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، إذ لا تزال تحملُ في داخلها قلبَ الأم الحنون رغُم تقدمها في العمر وظروفها القاسية، فهي تحتفظ في ذاكرتها عديد الحكايات، آخرها ما تمرُّ به الآن، فهي تخاطب مَنْ حولها وتسألهم بإلحاح عن ظروف قريتها التي باتت خاليةً تماماً من سكانها، بعد تعرّضها للقصف الذي حوّل أهلها إلى نازحين بعيداً عن الديار.

وسادةٌ وحصيرةٌ مهترئة تقيها من التراب، هي  كلُّ ما حصلت عليه  “وضحة” في مكان نزوحها، في ظلِّ غياب دعم المنظمات الإنسانية و افتقاد تقديم الرعاية الطبية لكبار السن والمرضى.