الخيالُ الحقيقي:

أن ترى ابن جارك وهو في المشفى، ممدَّداً على سريرٍ أبيضَ يبدو ناصعاً، ملوِّحاً بيديه في صورةٍ على موقع التواصل الاجتماعي، هذه ليست بدايةً لقصَّةٍ فنتازيَّة، إنَّما صورةٌ يوميَّة ستُنشَرَ أكثر من مرَّةً، ستضغط بأناملك على زر (اكتب تعليقاً) سترى عشرات التعليقات التي لا تمتُّ بصلةٍ لموضوع الصورة، فالصورةُ تدلُّ بكلِّ وضوحٍ على شابٍّ مريضٍ هو ابنُ جارك، وليس في عرسٍ أو حفلةِ عيد ميلاد! ثمَّة تناقضٌ عجيبٌ ومضحك للغاية، يمكنكَ أن تراهُ بعد نصف ساعةٍ فقط وهو يمشي في الشارع.

ما ذكرتهُ آنفَاً، يمكن القياس عليه في كل المناسبات الأخرى، المحزنة منها والمفرحة على حَدٍّ سَواء، ثمَّ ألسنَا في مجتمعٍ يحبُّ المناسبات كثيراً بحكم العادات والتقاليد الدارجة والمُثبتَة منذ عقودٍ زمنيَّة طويلة جدَّاً؟ لكن طريقةَ الاحتفال أو ممارسة طقوس الحزن أو الفرحِ اختلفت، إذاً، الفكرةُ هي ذاتها، ولكن الأسلوبَ مختلف، قديماً كانت الصور تبقى أسيرةَ ألبومٍ عائليّ خاص، يعتبر ضرباً من الوقاحة أن يتجرَّاً غير الأقارب على محاولة رؤية تلك الصور، وحتَّى أشرطة الفيديو التي كانت تتضمَّن حفلة العرسِ أو حفلة الختان أو ما إلى هنالك من ممارساتٍ ومناسبات، تبقى أسيرة الأدراج طوال الحياة، لا زلت أذكَرُ عرس أحد أقاربي، كنَّا أطفالاً، جلبوا مشغّلاً لأشرطة الفيديو وتسمَّرت عيونُ الجمع على شاشة التلفاز الصغير، ثمّة همهماتٌ تُسمَعُ كلَّما ظهرت صورة لأحد المعارف القدامى، أو أحد الأحياء الذين باتوا الآن في عداد الموتى، أو المهاجرينَ في الأصقاع، ثمَّة طفلٌ يشير بإصبعه إلى الشاشة كلّما لمح صورته وهو يضحك، أو ربمَّا يخجل!

هذا المشهد انتفى مُذ غزانا الإلكترون، فبضغطةٍ واحدة يمكنك متابعة أعراس كل النَّاس وأحزانهم، قبل ذلك، لم يكن الموتُ معروفاً هكذا بكلّ وضوحٍ ووقاحة، الآن، بإمكانكَ أن تعرفَ من مات وكيف، وما هو عمره، كانوا قديماً يردِّدونَ اسم الميت/ة عبر مآذن المساجد المنتشرة في المدينة، والآن، يُذاع اسمُ الميت مع صورته عبر الإلكترون، فتمرُّ التعليقات، لكي تقدِّم واجبَ العزاء، حتَّى من زارَ خيمة العزاء فيزيائيَّاً، يشعر بضرورة أن يُثبِتَ حضوره إلكترونياً، وإن لم يفعل ذلك فسيكون شعوره بالنقصِ قاتِلَه، هذه التغييرات دفعت المرء إلى حالَةٍ من الانفصام، وكأن لنا حياتين مختلفتين عن بعضهما البعض، الحياةُ الحقيقيَّة، التي لا بد أن تُربَط حتماً وفرضَاً مع الحياة الافتراضية المُتخيَّلة،  ليصحّ المشهدُ العامُّ بذلك.

مهلاً، هي ليست حياةٌ متخيَّلة! بل باتت حقيقيةً أكثر من الحياة الملموسة ذاتها والمُعاشَة، لن يمكنكَ الآن مسح صور الموتى، أو المحتفلين بقدوم مولودٍ جديد، أو زواج أحدهم/إحداهن، الأمور كلَّها تسير أمام عينيك، ثمَّة متعةٌ في أن تحضرَ عرسَاً بينما أنت جالسٌ إلى شاشة حاسوبك أو هاتفك الجوَّال، ترى الناس يدبكون، وترى معارفك وأهلك وهم يقدِّمون التباريك، وفي لحظةٍما بإمكانك مغادرة هذه الغرفة الافتراضية التي تنقُلُ لكَ كلّ شيءٍ حيّ!!

هل يمكن العيشُ هكذا؟

ما كنَّا نشاهده في أفلام السينما الخياليَّة، تلك التي تتحدَّثُ عن رحلاتٍ في الزمن، ها نحنُ الآن نجده بكلِّ وضوح قد تحقَّق، بإمكانكَ الآن أن ترتدي نظَّارتين وتتفرَّجُ على فيلمٍ وكأنَّك شخصيَّةٌ بداخلها، وأنت لا تتحرَّك من مكانك، كل هذا من فعل الانسان نفسه وتطويره، لكن أحياناً تغدو هذه الاختراعات عبئاً على عاتق المرء اجتماعيَّاً، أو تفضي في كل الأحوال إلى اغترابٍ كاملٍ عن المجتمع، سيشتكي صديقك من عدم تعليقك على ما كتبه، أو عدم الردّ! أعرفُ الكثير ممَّن هم على استعدادٍ تامّ لطردك من صفحته لأنَّك لم تقم بالإعجاب بما كتبه ونشره، وربما سيطردكَ من حياته الفيزيائية كردة فعلٍ، قبل ذلك كنَّا نتناقش في أمورنا وجهاً لوجه، الآن ثمَّة وسيطٌ إلكتروني، ذلك الوسيط ذكي، إلى درجَةٍ من الممكن أن يعرف ما تتابعه في حياتك ويخطِّط خورازميَّاته خصّيصَاً لك.

لا يعلَم أحد البتَّة إلى ما ستؤول إليه الأحوالُ الإلكترونية من تطوِّرٍ أكبر، ولكن المؤكَّد هو أن حياتنا هذه مُعاشَة، لن يستغربَ السَّائلُ عن بطالتك، ولكنّه سيستغرب إن قلت له لا أملك صفحاتٍ على مواقع التواصل الاجتماعيّ!

إذاً، سنزورُ مرضانا كواجبٍ اجتماعي عبر الإلكترون، ونقدِّمُ تعازينا ومباركاتنا عبرها كذلك الأمر، لن يتوانى الجيل الجديد عن نسيان تفصيل الواجب الاجتماعي، كما هو متعارف عليه في السابق، سيقولون: فلنرسل له رسالَةً على مصابه الجلل هذا، أو فلنباركه عبر تعليقٍ ورسم زهرةٍ أو قلبٍ أحمرَ.

ستنسى الأمّ إخراجَ الكتب الضروريَّة لابنها، وتضع عوضاً عنها أوراقاً بيضاء لا تصلح لشيء، لأنَّها مشغولة بكتابة تعليقٍ تبارك فيه ابن جارها على قدوم المولود الجديد، ذلك ليس بالأمرّ السيء في طبيعة الحال، ولكنّه في كلِّ الأحوال تغييرٌ في البنية المجتمعية التي اعتدنا عليها، وثمَّة تغييراتٌ كثيرة في هذا السياق ستحصل بالتأكيد، ذلك يقينٌ، طالما أنَّ الحياة الإلكترونيَّة في تطوِّرٍ مستمرّ إلى ما لا نهاية.

في الوقت الرَّاهن، يشعرُ المرء أنَّه محاطٌ بقفصٍ، والجميع بإمكانه مشاهدته، ومعرفة خصوصيَّاته بدقَّةٍ متناهية، تختلف عن القيل والقال الذي ينتشر في الحي مثلاً كما كان الحال عليه في الماضي، ثمَّة معلوماتٌ دقيقة وخاصَّة تُنشَر للعلن بكلّ يسر وبإمكانكَ المشاركة وإبداء رأيك بيسرٍ أكبر.